حول كلمة الدكتور صلاح فضل رئيس مجمع اللغة العربية في كلمته في مؤتمر ((النص وإشكالات المنهج))

238

أ.د/ جودة مبروك محمد

تتجه أنظار الباحثين من أنحاء الوطن العربي وبعض دول شرق آسيا صوب إمارة دبي حيث المؤتمر الدولي عن النص وإشكالات المنهج، الذي تقام فعالياته بجامعة الوصل برعاية كريمة من معالي جمعة الماجد رئيس مجلس أمناء الجامعة، والأستاذ الدكتور محمد أحمد عبد الرحمن رئيس الجامعة في 24، 25 من هذا الشهر الجاري.

ولقد شهدت الجلسة الافتتاحية كلمة العالم والناقد الكبير الأستاذ الدكتور صلاح فضل رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وفي بداية كلمته قدم التحية لمعالي جمع الماجد المحب للتراث والثقافة العربية، ثم أوضح أهمية البحث في هذا المجال من البحث اللساني، حيث إن هذه القضية تمثل موقفنا من التراث، وموقفنا من الحاضر، وموقفنا من المستقبل، وقد لفتت كلمته أسماع الجمهور من الحضور وعبر المنصات الافتراضية (عن بعدٍ).

أثرى الأستاذ الدكتور صلاح فضل المكتبة الأدبية واللغوية بعشرات من الكتب والأبحاث التي تعد علامة فارقة في العربية، كما تقلد كثيرًا من المناصب آخرها رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة (مجمع الخالدين)، ومن ضمن مؤلفاته ما يتصل بموضوع النص، فقد ألف منذ أكثر من ربع قرن كتابين: الأول: بلاغة الخطاب وعلم النص، والثاني: قراءة الصورة وصور القراءة.

لا نص بدون قارئ:

ولقد حاول في كلمته إبراز بعض المسائل المحورية، منطلقًا من القسمة الثنائية للنصوص، فهناك النص المقدس، وهناك النص البشري، وقد استبعد النصوص المقدسة من الأحكام التي سيتناولها بخصوص القراءة، فهي تتسم بشيء من الخصوصية ، لأن لها هالة خاصة،  فقارئها ينظر إليها بكثير من الحذر والاحترام والتقدير، أما النص البشري فذكر أنه لا وجود له بمجرد أن يُكْتَبَ، أو أن يَتَخلَّق، أو أن يُطَبَع، أو أن ينتقل من ذهن كاتبه إلى خطٍّ مرقومٍ على الورق، وإنما يبدأ وجوده الحقيقي بأول قارئ له حتى لو كان منشئه، فالنص إذا كان مُهملاً في مكتب من المكاتب، أو في درج من الأدراج، لا يتمتع إلا بما يُمكن أن يُطلَقَ عليه الوجود بالقوة أو الوجود الافتراضي  كما نسميه نحن الآن .

تتشكل ماهية النص ودلالته من خلال القارئ:

وذكر أنه  يبدأ النص في الوجود عندما يتعرض للقراءة، ولا يقوم بذاته حينئذ، وإنما يحتكُّ به عقل القارئ، وعقلُ القارئ هذا هو الذي يستقبل النص، وهو الذي يمنحه وجوده، وهو الذي يهب له معناه، وعقل القارئ هو خلاصة وعي وخلاصة  ثقافة وخلاصة خبرة سابقة بنصوص باشرها ومارسها وكتبها واطّلع عليها وتمرَّس بها طيلة عمره؛ أي أننا نحن القراء الذين نهب النصوص معناها، ونحن الذين نطفي عليها دلالتها، وكأننا تلك المرآة التي تعكس الصورة التي أمامها، فلولا المرآة لم تكن هناك صورة، وبقدر اختلاف ثقافتنا، وبقدر تنوع معارفنا، وبقدر تنوع خبراتنا ، بقدر ما يختلف وعينا بالنصوص وإدراكنا بجوانبها وفهمنا بإشاراتها المتعددة، فكل نص يزدحم بالإشارات،  يزدحم بالإحالات ، يزدحم بما يتضمنه ويتشكل به من نصوص سابقة عليه، لأننا بأي حال من الأحوال لسنا أول من يستخدم اللغة، فقد استعملها ملايين المرات، وتحملت كل لفظة فيها، وكل تركيب منها، وكل صياغة أو أسلوب طُبِعَ عليها، فلقيناه فعلا أو احتمالا بصياغات أخرى مختلفة وسيقات أخرى متعددة.

الكاتب محكوم بآليات الثقافة واللغة:

ورغم اعتداده بالإبداع إلا أنه يرى أن الكاتب في إطار ثقافة لا ينفك عنها ، فإنه لا يبرأ على الإطلاق من التأثُّرِ الواعِي أو غير الواعي من النصوص السابقة عليه؛ لأنه يعيد استخدام اللغة بعد أن تكون قد استُخْدِمَتْ قبله عشرات ، ومئات ، وملايين المرات، هو يحاول أن يطفي عليها لمسة جديدة، لمحة خلاقة، توظيفًا مبتكرًا، إضافةً لم يُسْبَق إليها من قبل، ويحاول أن يصوغها صياغة لا يحتذي فيها حذو من سبقه،  لكنه محكوم بآليات هذه اللغة ، محكوم بدلالتها، ومحكوم بأساليبها المتنوعة.

التعددية الدلالية متلازمة القراءة:

ويشير إلى التعددية الدلالية من خلال التعددية الثقافية لدى القراء، فيرى أن هناك عددًا ضخمًا من العناصر التى تتفاعل وتتكاثر ما بين كلمات النصوص من ناحية وما بين خبرات القراء، وما توحي به إليهم الكلمات من نواح أخرى، فالنص الواحد إذا توزَّع على عشرة أفراد، فيمكن أن يفهم كل واحد  من هؤلاء العشرة جوانب لم تخطر على بال جاره الذي شاركه في قراءة هذا النص؛ لأن كلمة معينة فيه ذكرته ببيت من الشعر أرَّقَه ليلاً أو أشبع وجدانه ذات ساعة بهية، أو أيقظ في ذاكرته إشارة كانت قد طُوِيَت في طيَّاتِ النسيان، فكلمات توحي لنا ، الجمل تصل إلينا، ونحن القراء نهبها بنى بلاغة وأشكالا بلاغية لم يخطر ببال من شاركونا قراءاتها أن يشاركونا في هذه الأفهام وفي المهام التي نصل إليها، حتى إذا أعدنا قراءة النص الواحد في لحظات متفاوتة من حياتنا بمقدار ما يتضمن هذا النص من كثافة وعمق من قوة أو ضعف من استعمال عادي أو استعمال أدبي بليغ من امتصاص لنصوص أخرى قديمة فيجب أن يكون النص يحتمل قراءات متعددة في لحظات متعددة من عمر الشخص الواحد.

دلالة النصوص تنقص وتزيد حسب مستوى القراءة:

ويصل في نهاية كلمته إلى خلاصة فكره وخبرته بقراءة النص، التي تحترم الأنا والآخر على حد سواء، فيرى أنه ليس من حق أحد منا أن يتوهم أنه هو الذي يحتكر الحقيقة، وأنه هو الذي يعرف حقيقة النصوص وجوهرها ودلالتها الفعلية، وأن فهم غيره ليس مشروعًا، وليس طبيعيًّا، وليس له مبرراته، بل علينا دائما أن نؤمن بالتعدد، ونسلم للآخرين بمشروعية قراءاته، كما نسلم لأنفسنا بطبيعة الحال بمشروعية قراءتنا، فالتعدد هو خاصية القراءة الملازمة، وهذا التعدد يرتبط بالزمان، ويرتبط المكان، ويرتبط بالثقافة، ويرتبط بالحصيلة المعرفية، فما يمكن أن يدركه القارئ المعاصر في القرن الحادي والعشرين لأي نص قديم سواء كان شعرًا أو نثرًا كما كان يدركه قارئ القرن العشرين، ويختلف عما كان يقصده منشئ هذا النص في فترة زمنية واحدة، فمن ثَمَّ علينا ألَّا نقطع إطلاقًا بأننا نحن الذين نملك اليقين أو الحقيقة؛ لأن الحقيقة تتشكل وتتلون وتَثْرَى، فحقيقة دلالة النصوص  تزيد تنقص بقدر ما تنقص معارف القراء أو تزيد.

كانت هذه خلاصة كلمة العلامة الكبير الأستاذ الدكتور صلاح فضل لمؤتمر جامعة الوصل عن النص وإشكالات القراءة، والتي تعد خارطة لرسم خطى الباحثين في التعمق في دراسة النص ومناهجه.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق