الدراما وتجسيد النبي يوسف الصِّدِّيق

213

بقلم – أ.د/ جودة مبروك

إن فكرة تجسيد الأنبياء والمرسلين والملائكة في الأعمال  الدرامية يرفضها الفكر الديني السنيّ، فقد طالب مجمع البحوث الإسلامية بمنع عرض مسلسل يوسف الصديق، مؤكِّدًا على تحريم ذلك.

ومن خلال الرؤية التي طرحها المسلسل الإيراني بالفارسية ومدبلجًا بالعربية لاحظنا بعض الأشياء التي تعتور ذلك العمل، رغم ما فيه من مجهودٍ ضخم في الإخراج وإتقان الصنعة الدرامية، فلا شك أن عملاً يقع في (45) حلقة وتم تصويره على مدار أكثر من  ثلاث سنوات، وعكف على كتابة السيناريو عشرون شخصًا، حتمًا سيكون مُتْقَنًا في إثبات الرؤية التي يريدها فريق العمل، مهما اختلفنا معها، إضافةً إلى لجوء فريق العمل لموسوعات علمية متخصصة ودقيقة في التفسير والحديث والفقه والتاريخ والآثار وبعض المواد الثقافية من ديانات أخرى -كالعهد القديم- تساند الفكرة التي أرادوا التعبير عنها وإيصالها إلى المشاهد.

لقد تعددت الملاحظات بين عقائدية وتاريخية وفنية، فالرؤية الدينية لا تجيز تجسيد الأنبياء على الأقل في الفكر السني، بل إن المسلسل جسَّد أحد الملائكة في ظهوره وحديثه ليوسف الصديق، ومهارة الإخراج كان بإمكانها تفادي ذلك من خلال الإيحاء والرمز، وهما من مكونات الأعمال الفنية الجيدة، كما بالغ كتاب العمل في التمسك بروايات الاتجاه الصوفي، على نحو ما نجد في تصوير زليخة بعدما رُدَّ إليها شبابها وكانت تتمنى يوسف الصديق، لكنها تنشغل بالعبادة عنه، وهي حالة الزهد التي تعلو عند المتصوِّفة.

وبعض الرؤى التاريخية قد تذهب إلى شيء من الخلاف معها في تصوير بعض الشخصيات والتعريف بها، مثل إخناتون، وهو الملك، فقد جسدته الحلقات في صورة المتسامح القريب إلى الشعب التقي الذي آمن بيوسف، دون مراعاة لكونه مستعمرًا، فهو زعيم الهكسوس ، الذين احتلوا مصر وتعني التسمية (الملوك الرعاة)، وقد اتخذوا من (صن حجر) بالشرقية عاصمةً لهم، وتلك تسميةٌ أطلقها المصريون عليهم من باب التهكُّم منهم، فوجودهم في أرض مصر غير شرعيٍّ، ولذا لم يلقَّب في القرآن بفرعون، لأنه غير مصريٍّ، وعُرِف بالملك، أما في مواطن ذكر الحاكم المصري فكان يختار له اسم فرعون.

وقد توزَّعت بعض أخطاء العمل في تصويره للآلة وبعض صدى ذلك الزمان، مثل العجلة الحربية، فمعروف عند الأثريين أنها لم تظهر في هذا الزمان، وإنما بعد ذلك، وارتبط وجودها بالصراع بين المصريين والهكسوس في نهاية وجودهم بمصر.

وقد ظهرت من حين لآخر بعض أخطاء الإخراج التي لا يختلف عليها اثنان، مثلا في مشهد تظهر سيارةٌ في خلفية مشهد في الصحراء عن بعدٍ ، وهي بالطبع ليست من منتجات العصور القديمة.

ومع كل تلك الملاحظات التي نبديها -مع احترام رؤية القائمين على هذا العمل- نعترف أنه عمل فنيٌّ عملاق، بما تضمَّنه من حبكة درامية مشوِّقةٍ وبراعةٍ في السرد التاريخي وغزارة المعلومات التي تناولتها الأحداث، فقد استطاع المسلسل من إعطاء صورة للزِّيِّ وللملابس المصرية القديمة، وإيضاح العلاقة بين كهنة المعابد والشعب والحكَّام، كما أضفى بعدًا تاريخيًّا لصورة مصر في حدود سنة (1160) قبل الميلاد بدقَّةٍ متناهيةٍ.

تعليق 1
  1. ربنا يبارك فيكم ويحفظكم من كل سوء أستاذنا الدكتور المحترم جودة مبروك… ومع وجود المخالفة الدينية بتجسيد الانبياء والملائكة ما حكم مشاهدة هذا العمل الدرامي العملاق؟

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق