أحمد المنسي شاعر الشهداء

580

أ.د/ جودة مبروك محمد
توجد بعض المؤثرات في بناء الشخصية تقف وراء تحديد مصيرها ومعالمها، ولقد سلط مسلسل الاختيار الضوء على شخصية وطنية بامتيازٍ، استحق أن يشيد به الرئيس السيسي رمز مصر، وهو البطل خالد الذكر الشهيد المقيم أحمد المنسي، وقد لقي العمل الدرامي الذي يجسد شخصيته ترحابًا عظيمًا بين جموع المصريين وكثير من العرب لكثير من الأسباب، لعل أهمها السياق العصري وشحذ الهمم في التصدي للأعمال الإرهابية التي عانت منها مصر فترة ما بعد حكم الإخوان، إضافة إلى إيمان الملايين وتقديريهم لتضحيات أفراد المؤسستين العسكرية والشرطية.

وفي العمل الروائي الذي يجسد البطولات يتم تقديم ما يفيد بناء الشخصية المحورية أو ما يسمى بشخصية البطل أو المخلِّص، فتأتي الأحداث لتظهر نمو الشخصية وتأثيرها وتأثرها بالمواقف المختلفة المتعاقبة عليها، وقد نجح المؤلف د. باهر دويدار مؤلف المسلسل بامتياز في صناعة الحبكة الدرامية وإظهار عنصر التشويق من خلال تفاعل الشخصيات مع المواقف والأحداث وصناعة الصراع بين الوطنية والخيانة، وإلقاء الضوء على الجبهة الداخلية في موازنة مع الأحداث على الجبهة، وأعتقد أن ذلك يمثل بعض أسرار نجاح العمل، إلى جانب الإخراج المتميز من بيتر ميمي وانسجام طاقم العمل كلٌّ حسب موقعه.

وقد سلط مسلسل الاختيار الضوء على شاعرية الضابط أحمد المنسي (قائد الكتيبة 103 صاعقة)، وهو ما له أثر في تشكيل شخصيته ووطنيته وأظهرت اختياره للدفاع عن الوطن في مقابل هشام عشماوي الذي اختار الخيانة.

ولقد ترك أحمد المنسي ذكرًا طيبًا بين أفراد كتيبته وكل من عمل معهم، ويبدو أن علاقته بهم أخت الشكل الإنساني، والدور الحميم  للقائد في علاقته بجنوده، ويبدو أن مصدر ذلك شاعريته التي كانت تفيض منه من حينٍ إلى آخر،فإن له  قصائد شعرية، لم تظهر للجمهور إلا بعد وفاته بأيامٍ قليلة، نشرتها دار الهلال، ومنها ما كان بخط يده ومنها ما كتب بالكمبيوتر.

ويفرق نقاد الأدب بين إحساس الشاعر وغيره، فالموهبة تغير المزاج والنفسية، وتلقي بصاحبها في جوٍّ من العاطفة والإحساس والوطنية.

ومن هذه الأشعار ما عبَّر به عن عشقه للموت في سبيل الوطن، واستنكاره هزيمة بلاده وهو على قيد الحياة، ويصبح حب الوطن الحقيقي في بذل الروح والشهادة دون مقابل، يقول:

أتضيع بلدي وما زلت حيًّا     فيا ليت المماتَ يَطْوِيني طيًّا

وما حبُّ مِصْرَ إلا عَطاءٌ     أَهَبُها رُوحي ما طَلَبْتُ شَيَّا

لقد كان الشعر وسيلة للانتصار لبلاده والفخرِ بما تحققه من إنجازات عسكرية، يقول في ذلك:

انتصرْ لمصريَّتِكَ يامصريُّ      فأنا لمِصْرِيَّتي واللهِ لَنَاصرُ

أسلمت لله وجهي أولا         ولمصرَ جسدي والعينانِ تَسْهَرُ

آمنتُ بإلهي وعُرُوبَتي       وبمصرَ وطني عَنْ بُعْدِها لا أصبرُ

عِشْقِي لها فاقَ الحدا       وبحبها أموتُ أَحْيَا لا أخترُ

يامِصْرُ: شهيدٌ أنا بجيشِ الفِدا      أصدُّ الكيدَ أَمْنَعُ العِدَا

ونلاحظ في هذه الأبيات تكرار (مصر) أو مشتقاتها أو مرادفاتها، دلالة على اتصالها بنفسه وقلبه، حتى إنه أضحى حبها عقيدةً ثابتة بعد الإيمان بالله، فقد أسلم وجهه لله، وأسلم لمصر جسده، وأما عيناه فحارستان لها، فقد فاق عشقه لها كل الحدود، وتتراءى عبقرية اللغة في استخدامه للتضاد: وبحبها أموت أحيا، بدون حرف عطف بين الفعلين، حتى يتبيَّنَ شدةُ التمسُّكِ بحبِّه على أي حال كان الموت أو الحياة، وعندما يقول: (شهيد أنا بجيش الفدا) فذاك أكبر دليل على أنه يستعدٌّ للشهادة ويطلبها، ويضيف تركيب (جيش الفدا) صفة تميِّزُ الجيشَ المصريَّ، فأفراده في الميدان هم فداءٌ للوطن.

ويبدع المنسي في قوله:

لا تَسْأَلُوا عَنْ حَيَاتِي      فَمِنْ غيرِ الجهادِ حَيَاتِي سُدى

فما عاد شيء يستحق أن يُذكرَ أو يشغله سوى الجهاد، حتى إن الحياة ما عادت لها قيمة إذا وُضِعَتْ في معادلة مع حبِّ الوطن، ويعود ليؤكد أن هذا الجيش مؤمن بالله، وهذا هو السبب الحقيقي للنصر، فيقتبس من المأثور عندما اضطر الرسول عليه السلام إلى الهجرة من مكة قوله: (وإني لأعلمُ أنك أحبّ بلادِ اللهِ إلى اللهِ, … ولولا أهلكِ أخرجُوني منك ما خَرجتُ)، فيقول:

فيارب أفض علي شجاعة وأرفق بحالي

سئمت أنا الفرقة وزاد الوَهْمُ مِنْ أحمالي

فإن لم يكن بك غضبٌ عليَّ ربي فلا أُبالي

وارزقني ربي رُفْقَةَ حمزةَ إجابةً لسؤالي

كان دعاؤه منحه القوة للنصر ثم اللحاق بركب الشهداء، وبالتحديد سيدنا حمزة لما عرف عنه بأنه أسد الشهداء وسيد الشهداء، أما دعاؤه لمصر فأمره مختلف، يقول:

وبمصرَ في قُرآنك ذكرتَها       ورفعتَها إلى المقامِ العالي

أَفِضْ عليها رَبِّي سكينةً         واحْفَظْها لي مُحَقِّقًا آمالي

وقد تطرقت الأحداث الدرامية لبعض شعره بإلقائه وهو يذكر بطولات بعض أفراد المؤسسة العسكرية بدءًا من الشهيد عبد المنعم رياض والشهيد إبراهيم الرفاعي أسطورة الصاعقة المصرية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلى العصر الحديث من أمثال الشهيد محمد هارون والشهيد عمرو وهيب قائده والشهيد رامي حسنين، والشهيد أحمد الدرديري.

وكان المنسي حاضرًا لمشاهد الوطن على تعددها، فيشارك في تقديم العون النفسي لأسر الشهداء، فعندما استشهد العقيد يحيى حسن ابن بني سويف وكنَّا في جنازته قرأنا نعي الشهيد أحمد المنسي له بعبارة بليغة يقول فيها: (الشهيد يحيى خلص الامتحان، وسلم ورقته، ونجح.. مبروك يا يحيى، والله وكيلك فيما تركت).

هذا إيمان المنسي ورؤيته لمن يذهب في سبيل الله دفاعًا عن وطنه، وهو جزء من عقيدة الجندي المصري، منذ فجر التاريخ وعلى مدار الأزمنة، فإنه يكون على قدر التحدِّي والمسؤولية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق