قراءة فى متوالية كيميروڤو القصصية للدكتورة / أمل درويش

0 1٬015

بقلم الناقد صابر الجنزوري

لعل أول ما يجذب إنتباه القاريء لهذه المجموعة أو المتوالية القصصية هو العنوان ولأن العنوان من أهم خصائص العمل الأدبي حيث يختاره الكاتب بعناية شديدة ليجذب إنتباه القاريء ويكون معبرا عن محتوى العمل الأدبي فالعناوين الغامضة تلفت الإنتباه بشكل عام لأن أول ما يبحث عنه المتلقى هو المعنى وماذا يقصد الكاتب وما دلالة هذا العنوان؟ الأمر الثاني فى هذا العمل الأدبي للدكتورة أمل أننا لا نجد مجموعة قصصية تقليدية تتكون من مجموعة من القصص ويربط بينها خط وهمي وقصص منفصلة لكل منها حدث وابطال تختلف عن بعضها البعض ولكن د. أمل أرشدتنا وقالت عن عملها أنه متوالية قصصية يربط بينها وجود البطل الواحد فى اغلب القصص تقريبا سواء كان مشاركا فى الحدث أو غائبا من خلال الحديث عنه وعن تطبيق نظريته فى حكايات أقل ما نقول عنها متصلة ومنفصلة و مختلفة فى الحكايا فيزداد تطلعنا لاكتشاف تلك التجربة.

من قراءة كيميروڤو نستطيع أن نحيي د. أمل على هذا العمل الإبداعي بحق فقد وظفت الخيال والسرد والفكر والعلم مع الأدب واللغة وبذلت مجهودا وقدمت معلومات داخل القصص على لسان أبطالها. العمل يستحق أن يكون عملا روائيا وليس متوالية قصصية لو توافر له عنصر السرد الروائي والحبكة الروائية .

قليل جدا من يستطيع أن يكتب هذا النوع من القصص في شكل متوالية وبهذا الشكل وهذه القدرة. كجيولوجي درست علوم الأرض والبحث السيزمي فى مجال البترول والإستكشاف أقدر ما قدمته د. أمل وكتبته و استوعبت فكرة النظرية العلمية التى بنيت عليها المجموعة ألا وهي نظرية البطل التى انطلقت من خلالها “فكرة الاحتباس الحراري” وفكرة تحرك وزحزحة القارات وفكرة الإعصار والطوفان واختفاء المدن الساحلية وانفصال القارات بفعل نظرية تحرك القارات القديمة والتى تسمى بالحركات التكتونية ” plate tectonic” التى أدت لتكوين القارات ومن ثم إذا حدث الطوفان الجديد ستتحرك القارات وتذوب في مياه المحيطات المدن الساحلية .

قصص ومتوالية اعتمدت على البطل الموجود فى المتوالية وتدور من خلاله أحداث كل أقصوصة أو حكاية ” د. نبيل ” الذى تحدث عن نظرية إذابة الثلج والإحتباس الحراري وحذر من الطوفان الذي سوف يحدث وتكون النتيجة غرق المدن الساحلية ، وانتشرت نظريته وخاف رجال الأعمال على مصالحهم فحاربوه وهددوه ولفقوا له التهم وقاموا بالدعايات المضادة ووصل به الأمر إلى العزلة والاكتئاب.

تخللت المتوالية قصصا انسانية مثل قصة نجيب وعبير ورميثاء وقصصا تناولت العلاقات الوهمية فى عالم التواصل الإجتماعي كقصة اريج الحروف مع د.نبيل التى يتبين أنها زوجته زينب التى أرسلت له طلب الصداقة باسم أريج الحروف على الفيس بوك وهو لا يعلم أنها زوجته نتيجة جدار العزلة الذى يفصل بينهما بالرغم انه لا يفصل بينه وبينها سوى جدار حائط غرفة مكتبه التى انعزل فيها وانفصل عنها بعد اغتيال معنوي له من رجال الأعمال الذين خسروا ملايين او مليارات الجنيهات بسبب نظريته التى ستغرق مدنهم وقراهم الساحلية.. وفي حكاية أخرى نرى الحب يضيع ويهرب عند نزول الزوجين للعمل بعد إجازة زوجية ونرى الإبن الذي يضع أبيه فى مصحة نفسية ..الخ تقول د. أمل فى جملة بليغة : أن جيش الإنسان وملاذه وأمنه هي الأم والأم قد تكون الوطن وليست الزوجة الأولى مثل ” لولوة” أو الزوجة الثانية مثل “انزا” زوجتا عبد المحسن الثري الأجوف من المشاعر المليء بالنرجسية والأنانية.

وتتوالي الحكايات وأستطيع أن أقول من خلال تلك المتوالية أن كل منا قد يجد نفسه فى هذا القصص وهذا العمل المتخيل الذى كتب فى زمن الكورونا وماقبله ويؤدي إلى استشراف المستقبل الذي يحذر منه د. نبيل.. قد يكون د.نبيل فينا وقد نتشابه معه خاصة اللذين يتقاعدون من العمل و ويتفرغون للكتابة والقراءة واعتزال الناس…وقد تجد المرأة أو السيدة المتزوجة نفسها فى صورة زينب وقد تكون مثل الباحثة فى المناخ ” لولوة” وقد تجد أخريات نفسها مثل عبير وسلوى أو ” انزا” .. شخصيات إنسانية قدمتها د. أمل فى قالب إنساني عبر عن واقعنا وأمالنا وآلامنا.

إننا بالفعل نحتاج لتجديد خطاب وثورة على العادات والتقاليد بالتوازي مع تجديد الخطابات الدينية وغيرها من خطابات كما أخبرتنا د. أمل فقد يكون الطوفان الحقيقي ليس غرق المدن الساحلية فحسب ولكن غرق الإنسان وضياعه أمام طوفان الغرور والكبر والكراهية والحروب.

اما عن كيميروڤو فهي كما جاء بنفس القصة تلك المدينة التى يتحول فيها لون الثلج إلى اللون الأسود نتيجة وجود الصناعات الكيميائية ومناجم الفحم فيخرج الغبار الأسود ويختلط بالثلج فيتحول اللون الأبيض إلى اللون الأسود و كيميروڤو تقع على نهر «توم» عند مصب نهر «ايسكيتيم» و تبعد عن العاصمة موسكو 3482 كم وتبلغ مساحتها حولي 300 كيلومتر مربع وتعداد سكانها حوالي 522 الف نسمة.

فمنذ أكثر من 100 سنة يستخرج الفحم الحجري من مناجمها وتعد المدينة كمركز صناعي وعلمي وثقافي في مقاطعة كيميروڤو.

Visited 6 times, 1 visit(s) today
اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق