|

الجمهورية والعالم
باريس : بلقاسم بن زنين
في
ظرف أقل من عشر دقائق،و على مدى ستة أيام من الأسبوع يتابع
الملايين من الفرنسيين حصة "قراقيز الأخبار" الساخرة على القناة
الخاصة "كنال بلوس" التي تحظى بشعبية قل نظيرها في القنوات
الفرنسية. بكثير من السخرية ،بل والتهكم أحيانا ،و لكن بجرأة
نادرة ومن دون قيود تقدم الحصة أبرز الشخصيات
السياسية،الرياضية،الثقافية والإعلامية في فرنسا و خارجها. الرئيس
الفرنسي شيراك، رئيس حكومته دوفيلبين وزراؤه ساركوزي، دوست بلازي
من السياسيين، فرانك ريبري، زيدان و طوني باركر من الرياضيين أبرز
الأبطال الذين يمثلون في قاراقيز الأخبار التي يقدمها باتريك بوفر
دارفوار أشهر مقدمي الأخبار في فرنسا والذي يختصر اسمه بـ
PPDA.
تقدم الحصة منذ ما يزيد عن ستة عشر عاما،إذ انطلقت عام 1990 ونالت
شهرة كبيرة خلال حرب الخليج الأولى .
و تتناول الحصة أبرز و أهم المستجدات في فرنسا والعالم بطريقة
يعلق فيها مقلدو الأصوات على الأحداث و يجيبون على أسئلة مقدم
النشرة بطريقة ساخرة و لكنها تعبر في الوقت نفسه عما يشعر به
الكثير من الفرنسيين اتجاه المسؤولين السياسيين ومواقفهم من
الأحداث الدولية. يبرز الرئيس بوش في الغاراغيز كشخصية بليدة إلى
جانب الممثل سيلفستر ستالون الذي يظهر بزي عسكري ممثلا السلطة
الفعلية في أمريكا و التسلط الذي يمارسه الجمهوريون و اليمين
المحافظ ولكن أيضا الجانب الامبريالي في السياسة الأمريكية. بن
لادن يطل علينا من مخبئه ليسخر من بوش الأمريكان متحديا اياه، و
كذلك يفعل الرئيس العراقي المخلوع صدام في زنزاته. و لم يسلم الرحل
عرفات من السخرية أيضا إذ يبعث من قبره لينادي شارون المحتضر للحاق
به في العالم الآخر. أما البابا بنديكت الادس عشر فيظهر الأسوأ حظا
في عرائس الأخبار إذ قدم في إحدى الحصص باسم أدولف الثاني وهو يردد
عبارة أبارككم باسم الأب و الإبن و اليش الثالث. و قد أدى ذلك إلى
رفع دعوى قضائية من طرف قساوسة فرنسا ضد كنال بليس مما اضططرها على
تقديم الاعتذار معترفة بأن تجاوزا قد حصل منها و أن هدغها لم يكن
صدم مشاعر أي أحد.
هكذا تنفرد الحصة بتصوير الشخصيات الأكثر شهرة في العالم بجرأة
كبيرة قل نظيرها في العلم كله، و مهارات تقنية عالية يتكفل
بإنجازها ما يزيد عن مائتي شخص. الدمى التي تمثل شخصيات أبطال
الغاراغيز مصنوعة من الحلباب (عصارة بعص النباتات و المسمى علميا
لاتكس) و هي طريقة فنية رائدة في تصوير الدمى التي تجسد شخصيات
وتقدمه من خلال التركيز على صفاتهم الجسدية أنف طويل لشيراك، قامة
قصيرة لساركوزي، لحية طويلة لبن لادن...
الحصة تجلب ملايين المشاهدين يوميا وتحظى بتأثير كبير لدى فئة
الشباب خاصة حتى أن إحدى أبرز المجلات المتخصصة في العلوم السياسية
في فرنسا خصصت لها دراسة ميدانية للحديث عن دورها في التنشئة
السياسية لدى الشباب و خاصة سكان الضواحي من أصول أجنبية من خلال
الأحكام والآراء التي تتكون لديهم إضافة إلى مسألة المصطلحات التي
يستنبطونها من برامج الحصة كوصف الرئيس شيراك بالكذاب الأكبر مثلا.
وأكثر من ذلك تؤثر الحصة بحسب ما تؤكده كثير من الدراسات على
اتجاهات الرأي العام الفرنسي لاسيما أثناء الانتخابات، إذ لا يتردد
بعض الإعلاميين بالتأكيد أن هذه الحصة رفعت من شعبية الرئيس شيراك
و ساعدته كثيرا على الفوز في الانتخابات الرئاسية لعام 1995 كما
ساهمت أيضا في فوز الاشتراكيين في تشريعيات 1997، بل إن الكثير من
الشباب الفرنسي لا يفرق اليوم بين الواقع السياسي و نشرة أخبار
الغاراغيز معتقدين أنه لاتعكس إلا الواقع السياسي و تفضح ما خفي من
أمور الساسة و الحكام.
|