الكورونا وعصر التفاهة ..مفارقة مدهشة بين عبارتين بينهما ٣٠ سنة بالتمام والكمال.. « جريدة الجمهورية والعالم

الكورونا وعصر التفاهة ..مفارقة مدهشة بين عبارتين بينهما ٣٠ سنة بالتمام والكمال..

الإثنين, مارس 23rd, 2020

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق.

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق.

كتب : نبيل عمر :عبارة كتبتها باحثة بيولوجية إسبانية قبل أيام، وعبارة قالها العبقري يوسف أدريس في عام ١٩٩٠.

قالت الباحثة الإسبانية في تغريدة: تمنحون لاعب الكرة مليون يورو في الشهر، وباحث البيولوجي ١٣٠٠ يورو وتبحثون عنده عن علاج للكورونا، اذهبوا إلى كريستيانو رونالدو أو ليونيل ميسي، ليجدا لكم هذا العلاج.

وقال يوسف إدريس في حوار أجريته معه في سنة ١٩٩٠ بعد صعود مصر إلى نهائيات كاس العالم، ونشرته في الأهرام الرياضي : ضربة رأس حسام حسن أهم من كفاح طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ.

المفارقة تصرخ فينا بكل قوة: نعم نحن نعيش عصر التفاهة، التفاهة التي تجعل من رونالدو وميسي أغني وأشهر من أهم علماء العالم وباحثيه..

التفاهة التي وضعت حسام حسن على رأس اهتمامات المصريين ليسبق طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ معا في الثروة والشهرة.

وقطعا نحن لا نقلل من قيمة ميسي وموهبته الفذة ولا حسام حسن وأهدافه التي دخل بها نادي المئة ويصفه نقاد الرياضة ومقدمو البرامج بالأسطورة..لكن نتحدث عن تأثير كل منهم في حياة الناس ودوره في عقل مجتمعه، من هو الأكثر تأثيرا في مجتمعه، وأي منهم يدوم تأثيره مع الزمن لأخر الزمان، وما هو التقدير المادي والمعنوي الذي يصادف كل منهم من مجتمعه.

يبدو أن التقدير المادي يفسر لنا تكالب الأهالي بجنون على إلحق أولادهم بأكاديميات كرة القدم ومسابقات الغناء والرقص أكثر من تكالبهم على دراسة الهندسة والعلوم والفلسفة والطب ومعارف التكنولوجيا الحديثة، والأهالي عندهم حق تماما، فما يكسبه ٣٠ لاعبا من اللعب في أي ناد بالدوري الممتاز قد يكون أضعاف ما يتقاضاه علماء المركز القومي للبحوث من العمل الشاق، أو جميع أساتذة كليات الهندسة بجامعة القاهرة وعين شمس والإسكندرية.

من هنا تتكاثر أهمية كتاب ( نظام التفاهة )، للفيلسوف الكندي آلان دونو في تفسير حالة الرداءة الضاربة في العالم الآن، وقد ننفرد بنصيب من الرداءة أكبر من أنصبة الدول المتقدمة، لأن هذه الدولة تمكنت من القفز والصعود إلى قمة جبل التقدم قبل أن تتسلل التفاهة إلى مراكز السيطرة والتحكم، بينما نحن نمارس التفاهة حتى قبل أن نقطع نصف الطريق إلى الجبل، وهذا هو الأمر الخطير الذي قد يصدنا عن صعود الجبل.

وبالرغم من هذا لا نستطيع أن ننكر أن هؤلاء اللاعبين يؤدون عملهم بكل جدية ومهارة وإتقان ، حتى لو كانت المهنة التي يمارسونها “ترفيهية”، فالترفيه جزء مهم في حياة الإنسان، لكن السؤال المحير: لماذا المبالغة الشديدة في تقدير الترفيه والتسلية؟

ليس أصحاب الترفيه فقط هم الذين على قمة التقدير المادي، فمعهم الوسطاء والسماسرة، ويمكن أن نصف عصر التفاهة أيضا بأنه عصر التسويق، هل يمكن أن تتخيلوا أن منتج أي سلعة لا يكسب فيها أكثر من ١٠ إلى ٢٠ ٪؜ مما يكسبه البائعون في أي مرحلة من ساعة خروج المنتج من المزرعة أو المصنع إلى وصوله إلى يد المستهلك، ومنتج القمح على سبيل المثال لا يربح مثل بائعه، ولا مؤلف الكتاب مثل موزعه، ولا مخرج السينما مثل مخرج الإعلانات، ولا الموسيقار مثل راقصة، ولا مكتشف أمريكا كلها مثل صاحب كازينو قمار في لاس فيجاس، ولا عالمة فضاء مثل قواده، ولا مدرس شريف في مدرسة متفوقين مثل منادي سيارات في الشارع، ولا كاتب عمود عبقري مثل مندوب إعلانات في جريدة، ولا مهندس كمبيوتر مثل سمسار في البورصة.

والسؤال: من أين جاءت أهمية هذه المهن ذات التأثيرات الهامشية في حياة المجتمعات؟

يجيب آلان رونو أيدينا بأن صناعة الربح باتت أهم من صناعة القيمة، الربح تحصيل عاجل من سوبر ماركت ، ملهي ليلي، تجارة في الأسهم والسندات، مضاربة في السلع..الخ.

القيمة عملية طويلة الأجل مثل مصنع حديد وصلب، محطة كهرباء، تحويل الرمل إلى خلايا سيلكون ورقائق إلكترونية، اكتشاف علمي جاد في معمل متخم بالأجهزة المعقدة..الخ.

وقد رسخ الرأسماليون فكرة المكسب السريع على حساب القيمة، فحلت المهنة محل الحرفة، والمهنة هي أداء الواجب، النشاط الذي يقاس بالوقت والجهد لا القيمة، بينما الحرفة هي الإتقان والبحث عن الكمال في المهارات بالعمل دوما على تنميتها.

فقدت الحرفة مكانتها وحلت الوظيفة محلها، ويقول آلان دونو بالنص: يمكن لعمال على خطوط إنتاج أن ينتجوا ألاف الوجبات دون أن تكون لهم معرفة أو براعة بالطبخ في البيت، وبيع كتب أو صحف هم أصلا لا يقرأونها، لقد صار الفخر بالعمل المُنتَج جيدا أمر في طور الاضمحلال.

لقد فرض المال نفسه على الثقافة الحديثة، كطريقة لحساب متوسط القيمة، وفرضت النقود نفسها في التاريخ كهدف أعلى، فوق كل شئ.

ارتفعت النقود قيمة مطلقة على جميع القيم، حتى لو شوهت الصورة الكلية للحياة، لأنها ركزت نشاط العقل علي جمعها، فقل إدراكه لتنوع العالم، مما أدي إلى تكاثر السياقات التي لا ترتبط فيها النقود بأي نوع من الجدارة.

ويضرب آلان دونو أمثلة بما تفعله النقود في النفوس، الوارث أو مضارب البورصة الذي يجني ربحا ضخما فجأة أو مدير تنفيذي في شركة كبرى يحصل على مكافاة خيالية، فهذه النقود غير مرتبطة بأي إنجاز من أي صنف، في هذه اللحظة ينفلت العنف من عقاله أذ تثير أحط أنواع الشغف في اللاوعي : الغيرة، الكراهية، العدوان، السخط، الخوف والطمع.

ويقول دونو: إننا نترك الأشياء خلفنا عندما نرغم أنفسنا على استخدام النقود لقياس القيمة، فثقافة النقود تخفى الواقع خلف ستار، لأن القيمة في الثقافة الرأسمالية تنحصر في أصول مالية وأغراض رفاهية للأغنياء، فيما هي للفقراء والمستهلكين العاديين محض مسألة مساومات ومقارنات بين الجودة والسعر، وجعلت من بعض الناس بخلاء وساخرين أو متخمين باللذة وجشعين.

والبحث عن الربح السريع قلب الثقافة إلى مجرد صناعة للترفيه، واستعمر العقول بالإعلان التجاري.

ويبدو أن هذا المنطق لن يتغير وسيظل عصر التفاهة سائدا، لكن كيف يعمل في المساحات الرسمية ومراكز صناعة القرار؟

للحديث بقية.

أضف تعليق

عدد التعليقات