تجديد البيت على طريقة شيخ الأزهر « جريدة الجمهورية والعالم

تجديد البيت على طريقة شيخ الأزهر

الإثنين, فبراير 3rd, 2020

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق

كتب نبيل عمر :لا يمكن وصف رودود الأفعال على مساجلة رئيس جامعة القاهرة وشيخ الأزهر في مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي إلا بأنها “مخيبة للآمال”، وتثبت أن قطاعا عريضا في المجتمع حريص أشد الحرص على بقاء العقل الجمعي للأمة محبوسا في أزمته التي طالت قرونا دون فرصة للإفراج عنه، والدليل أن هذا القطاع لم يحسبها مجرد مساجلة فكرية بين رؤيتين، رؤية تدعو لتأسيس عصر ديني جديد يستند إلى مناهج العصر في بحث ودراسة تراث المسلمين من اجتهادات وتفسيرات لدينهم، لعلهم يفهمون أنفسهم والعالم بطريقة أفضل، ورؤية أخرى تري في هذا التراث البشري “تكاملا” كتكامل الشمس يمكن أن ينير حياتنا ويدفئ صقيعنا الحضاري، ولا يصح الاقتراب منه بالنقد والتمحيص والاجتراء عليه من غير المتخصصين الدارسين في معاهد دينية مشهود لها، خاصة أنه يشمل داخله على دعوة التجديد المطلوب، وأن الابتعاد عنه هو سبب الأزمة التي حاقت بالمسلمين والعرب.

مناظرة فكرية تحتمل الاختلاف والتنوع، الأخذ والرد، دون فائز أو خاسر، دون إهانة أو كبر، دون دماء أو جروح ، لكن ردود الأفعال حولتها إلى ما يشبه خناقة في الأحياء الشعبية، ونشرتها كالنار في الهشيم على شبكات التواصل الاجتماعي، بتعليقات فيها قدر من الشماتة والسخرية التي تصاحب تلك الخناقات، من عينة (شيخ الأزهر يحرج ويعصر ويخرس ويفحم ويرد ردا ناريا ويعطي درسا قاسيا لرئيس جامعة القاهرة).

وقطعا لم يقصد الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر شيئا من هذا، ويستحيل أن يفكر بهذه الطريقة وهو إمام أشهر جامع علمي على وجه الأرض، ويجادل من يختلف معه( بالتي هي أحسن) كما يحثه دينه الحنيف، كان فقط يفند آراء لا يظنها صحيحة تمس التراث وتجديده.

فكيف جاءت ردود الأفعال ملتهبة؟، ولماذا صورت السجال الفكري على هيئة (خناقة)؟

في الحقيقة لم يستخدم الدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة في بيان أفكاره أي كلمات مدببة حادة، لكنه لجأ إلى عبارات شعبية في توضيحها مثل ( لو كنت أقول غلط قولوا لي)، (اترك بيت والدي لبيت جديد)، ربما نزلت تلك العبارات بقيمة الحوار العلمي درجة لكنها لم تنحرف إلى صناعة معركة.

فهل وردت على لسان شيخ الأزهر كلمات فسرها المتابعون على غير حقيقتها وأوحت لهم بالخناقة؟

نعود إلى كلمة الإمام ولم يكن ينتويها لولا أن الدكتور الخشت سأل الحضور أن يراجعوه لو أخطأ، وبدأها الإمام أحمد الطيب بوصف لم يكن ضروريا وهو (أوعدك سأكون طيبا)، وهي عبارة موحية ذات دلالة قريبة وبعيدة، كمن سيدخل في منازلة مع خصم ويتعهد له ألا يكون قاسيا عليه، أو هي من باب المفارقة اللغوية، بين لقب الإمام وصفة الطيب، أي سيتحدث اليه كما يدل عليه اسمه، لكن يبدو أن المتابعين رجحوا المعني الأول.

وهو ما أتصور صحته، وظهر واضحا في الطريقة التي أمسك بها الأمام الأكبر كتاب الدكتور الخشت ( نحو تأسيس عصري ديني جديد)، وسأله: هل تعتقد أن الكلام الذي تقوله مطلق أو تشك فيه؟، ثم أجاب بنفسه: لو تعتقد أنه مطلق فقد سقط مذهبك، وإذا كنت تشك فيه فأرجو حين تتأكد أن تهديني كتابك؟

وليسمح لي فضيلة الإمام أن أختلف معه في صياغة السؤال، لأنها صيغة تربصية، فلا مطلق في الكون إلا الله سبحانه وتعالى، ولا توجد أفكار بشرية مطلقة، وما ينتجه البشر هي أفكار نسبية متغيرة عن الكون والحياة والعلاقات والمفاهيم، وإذا كان الدكتور الخشت يدعو إلى عصر ديني جديد فكيف يؤمن بالمطلق من الأفكار، والعصر الجديد يبدأ بمراجعة القديم ونقده وتمحيصه، وأظن أن شيخ الأزهر يعلم هذه الحقيقة تماما.

ثم نأتي إلى بيت الأب، الذي ينتقل منه الابن إلى بيت جديد، وهو مَثَلٌ لم يكن يصح من الدكتور الخشت أن يستشهد به، وإن كان المقصود به أن الابن حين ينتقل إلى بيت جديد، لا يقطع صلته ببيت والده، ويظل على اتصال وارتباط به، كما هو الحال مع التراث، فالدكتور يطلب أن ننتقل إلى أفكار جديدة في فهم ديننا دون أن نقطع الصلة بالتراث، لكن الدكتور أحمد الطيب قال إن الانتقال من بيت الوالد هو الترك والإهمال وإعلان الفرقة، ولا أعرف كيف وصل الأمام الأكبر إلى هذا المعني، ومن المؤكد أنه انتقل إلى بيت جديد غير بيت أبيه في القرنة بمحافظة الأقصر، فهل تركه وهجره وأهمله؟، ملايين المصريين يتركون بيوت آبائهم إلى بيوت خاصة بهم دون أن يهجروا أو يعلنوا الفرقة عن ذويهم، وحين يجددون بيت الوالد فمن المؤكد أنهم يتخلصون من القديم البالي ليحلوا محله جديدا نافعا، وهو ما دعا إليه الإمام، بأن نعيد البيت على أنماط البناء العصري، نفس ما يطالب به الدكتور الخشت، يجب أن نتخلص من الطوب الأخضر واللبن ونستبدل به طوبا حديثا، وهذا ما نريد أن نصنعه مع التراث، لا أكثر ولا أقل.

نعم بيت أبينا قديم جدا وفيه حجرات غير صالحة للاستخدام، ولم يحاول أهم سكانه أن يجددوه تجديدا فعليا، فقط قد يطلون أبوابه وشبابيكه وحيطانه وجدرانه الخارجية، ويتركونه من الداخل على حاله، بل أن نفرا من سكانه الذين تعلموا شرقا وغربا ودرسوا الطب والهندسة والصيدلة وعلوم الفضاء لم يستطيعوا تجديد البيت، ولم يقبلوا أصلا بتجديده على مناهج العصر، بل لا يتصالحون مع العصر الحديث إلا في اللحظات أو الأوقات التي يحتاجون فيها استخدام المعارف الحديثة، ثم يعودون إلى النوم في حجرات البيت القديم وهم يتصورون أنهم يجمعون بين الحسنيين، معارف العصر المتغيرة الخاضعة للتمحيص والدهشة التي تفتح لهم أبواب الدنيا، ومعارف الماضي المنقولة حرفيا من كتب التراث التي تفتح لهم أبواب الجنة، دون أن ينتبهوا إلى جمود معارف الماضي التي تصدهم عن تجديد البيت الذي يمكن أن يبدل حياتهم تبديلا جميلا ورائعا.

لا يريد أحد هدم البيت القديم ، فمن يتخلى عن أصله يفقد نفسه، وإنما تجديده، لنضمن أنه لن يسقط فوق رؤوسنا.

للحديث بقية

أضف تعليق

عدد التعليقات