“التصالح الثقافي للأدب غرباً وشرقاً” « جريدة الجمهورية والعالم

“التصالح الثقافي للأدب غرباً وشرقاً”

السبت, ديسمبر 28th, 2019

أستاذ دكتور/اسامة مدني عميد كلية الآداب جامعة المنوفية

أستاذ دكتور/اسامة مدني عميد كلية الآداب جامعة المنوفية

بقلم: أسامة مدني : يؤكد الشاعر والناقد الإنجليزي تي. إس. إليوت أن “الفن يرتقي بالأحاسيس″؛ فالفنون على أشكالها المختلفة عملية حفر دائم داخل النفس البشرية المغلفة بالأحادية والتنميط والتقوقع وصولاً إلى النواة التي ينمو ويزدهر فيها ذلك الحس الإنساني المشترك، ذلك القبول غير المشروط لكل ما هو مختلف وشبيه من حولنا. وترتبط درجة الارتقاء بالمشاعر والأحاسيس سلباً وإيجاباً بدرجة تعرضنا لكم ونوع تلك الفنون وصولاً في النهاية، عند أسمى درجات ذلك التعرض، إلى حالة من الرهافة والصفاء تسموان فوق كل وقتي وزائل. ومن هنا كان الفن الأصيل، مكتوباً أم مرئياً أم مسموعاً، يتجاوز المكان والزمان معاً سعياً نحو الخلود؛ وهو بذلك يتجاوز المحلي إلى الإنساني المشترك مهما غاص في محليته؛ ويتجاوز دوائر الدين واللون والعرق مهما دار في فلكهم. فالفن الأصيل يخاطب كل ما هو مشترك داخل النفس البشرية، محققاً الهدف الأسمى وهو التصالح رغم حتمية الاختلاف.

 

لذا، نلحظ أن زيادة الغلظة والانغلاق ترتبط ارتباطاً شرطياً بندرة إنتاج واستهلاك الفنون، فالتقوقع داخل الهويات الدينية أو الأيديولوجية أو العرقية والمطالبة برفض ولفظ الآخر إرهاب فكري قد يتحول، إذا سنحت الظروف المواتية، إلى إرهاب مسلح فتاك. فإذا كانت الفنون تَزحزحاً تدريجياً ناعماً للمشاعر والأحاسيس نحو قبول ذلك الآخر تحت مظلة الإنسانية المشتركة، فالإرهاب تقوقع داخل بوتقة شعورية منغلقة رافضة لهذا الآخر، راغبة في محوه.

 

ومن هنا تشكلت تلك العلاقة الطردية بين الإبداع والإرهاب. فالمبدع متقبِّل للآخر، متصالح مع ذاته؛ والإرهابي رافض لهذا الآخر، متخاصم مع ذاته. وبالتالي، كان المبدع ومازال من ألد خصوم الإرهابي وهدفه الأول. كم من كاتب استهدفه الإرهابي قتلاً وتشويهاً؟ كم من فنان عاش مرتعشاً مذعوراً من أذرعه الطولى؟ كم من دور للمسرح والسينما كانت هدفاً لرصاصه الغادر؟ كم من تهديد ووعيد بالقتل والحرق والتدمير طالت مبدعين ودور نشر ومهرجانات أدبية وفنية.

 

كما أن الفن بنزعته التصالحية، والتي تجمع البشر جميعاً تحت مظلته الوارفة، هو كل ما يتمناه الإرهاب ولا يحققه. ألا نرى كيف يحرص الإرهابي على تنفيذ عملياته بشكل مسرحي يضمن به سرعة وشمولية الانتشار؟ ألا نراه في التسجيلات المرئية يقف فخوراً، مزهواً بذاته كبطل سينمائي قبل قطع رءوس الأبرياء أو قبل تفجير نفسه بين الآمنين؟ ألا نراه على الشاشات يتلو علينا بعض الرسائل الموجهة، مرتدياً قناع المثقف، قبيل أن يستقل طائرة مدنية ليفجر ركابها الأبرياء؟ يريد أن يحظى بمكانة المبدع، بقدرته على الانتشار والقبول بين الناس، ولكنه غافل أنه نقيض، بغيض. يستخدم وسائل الفن ليحقق الخلود ولكنه فانٍ سيغلفه النسيان. يريد أن يلتف من حوله الجمهور على اختلاف أجناسهم وأعراقهم كالمبدع الأصيل، ولكنه الوحيد المنعزل عن الجميع. يريد أن يتصالح مع نفسه والآخر متحدثاً باسم البشرية كالملهم الوحيد، وهو المتخاصم مع نفسه والآخر، الملفوظ من الجميع.

 

حتماً سيظل الإبداع والإرهاب نقيضين، ودوماً سيحاول الثاني الصعود إلى مرتبة الأول، ولن يكون. فلنحتفِ بالفن والإبداع لأنه الترياق المضمون للمجتمع ضد داء الإرهاب، وعندها سيضمر هذا الطفيلي ويزول بازدهار كل إبداع أصيل.

 

(دور الأدب في التقارب بين الثقافات):

لنعد خطوة إلى الخلف لنستكشف الدور المحوري للأدب في التقارب بين الثقافات المختلفة، ومن ثم درء نزعات الاختلاف والصراع بين الأفراد والجماعات؛ تلك الجرثومة الأولى لتفشي التطرف الفكري والإرهاب المسلح. يتطلب التنوع الثقافي بين الشعوب حالة من “التعايش” وهو الوصول إلى حد أدنى من الاختلاف المتبادل وصولاً إلى مرحلة “التصالح” وهو تحول أكثر عمقاً من الثقة المتبادلة. فغالباً ما ينشأ الصراع عندما لا تستطيع ثقافة ما أن تدرك أن ثقافة أخرى قد ترى الأمور بشكل مختلف وبالتالي تقفز تلك الثقافة إلى استنتاجات يغلفها التنميط والتعميم. فمعرفتنا بثقافة الغير معرفة سطحية تتعلق بأمور المأكل والملبس والعادات والتقاليد ولا تغوص إلى مستوى القيم وطرق المعيشة والتفكير؛ فهي غالباً معرفة السائح بثقافة الآخر مما يحدث حالة من التسطيح والقولبة. ويزول هذا التنميط والتعميم بمعرفة ثقافة وفنون وآداب هذه الثقافات الأخرى، وهو ما يجعلنا نقدر الإسهام الحقيقي لتلك الثقافات في بناء الحضارة الإنسانية، وبالتالي نتفهم ثقافتنا نحن بشكل أعمق.

 

ويبرز في هذا السياق خطورة الانزلاق إلى هوة تعميم الآخر وتشكيل صورة ذهنية سلبية عنه. حدث هذا من قِبل كاتبين أمريكيين شهيرين: فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama وصامويل هانتنجتون Samuel Huntington. الأول جاء بمقالة “نهاية التاريخ” (1989) والتي تحولت إلى كتاب عام 1992 افترض فيها أن الديمقراطية الغربية هي النموذج الأمثل الذي يمثل قمة التطور الاجتماعي والثقافي، وبالتالي فهي بمثابة نهاية التاريخ فيما يتعلق بأفضل أشكال الحوكمة في العالم، فهي لا تتصارع حرباً مع بعضها بعضا عكس الديكتاتوريات الأخرى، وهو تحيز وتعصب غير محايد للأيديولوجية الغربية؛ والثاني كتب مقالة “صدام الحضارات” (1993) والتي تحولت أيضاً إلى كتاب عام 1996 حيث أشار هانتنجتون إلى انقسام العالم بعد الحرب الباردة إلى أيديولوجيات مثل الديمقراطية/ الشيوعية، وأكد أن الاختلاف الآن ثقافي بالدرجة الأولى، وخص الإسلام بالأيديولوجية التي ستصطدم بالغرب، وقد أشار أتباعه إلى أحداث 11 سبتمبر 2001 كدليل صارخ على ذلك. ولكن الكاتبين يغفلان أن كارل ماركس كان قد ادعى من قبل أن الشيوعية ستحل محل الرأسمالية كأفضل أشكال الحكم، كما لا يضعان في الاعتبار أيضاً أن هناك نماذج أخرى من الحكم ترتكز على العرق والدين والأعراف سائدة وراسخة في العديد من الثقافات. ومثال على ذلك هيمنة وتطور الصين وروسيا بالرغم من حكم الحزب الواحد بالصين وسلطوية نظام الحكم بروسيا من وجهة نظر الديمقراطية الغربية.

أضف تعليق

عدد التعليقات