عملية إنتاج القتلة و آيات الذكر الحكيم وسط الضجيج والكلاكسات وصخب الطرق……… « جريدة الجمهورية والعالم

عملية إنتاج القتلة و آيات الذكر الحكيم وسط الضجيج والكلاكسات وصخب الطرق………

الإثنين, ديسمبر 2nd, 2019

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق

كتب – نبيل عمر : كادت تحدث عملية ذبح في بور سعيد قبل أيام، يروح ضحيتها ناقد سينمائي مرموق هو الدكتور وليد سيف، إذا هجم عليه عامل في محل سمك شاهرا سكينه الحاد، يريد أن يفتك به لسبب بسيط للغاية، وهو أن الدكتور وليد اقترب من جهاز الإستريو وخفض صوته قليلا، وكان المقرئ يتلو آيات الذكر الحكيم، فاعترض عامل تنظيف السمك وقال له: قرآن ربنا لا يطفئه أحد، رد الدكتور وليد بأدبه الجم: أنا خفضت الصوت فقط، لأن عندي التهاب في الأذن الوسطى والصوت ضارب في نافوخي وتعبان جدا، عاجله العامل متهما: أنت كافر وشيطان.

في الوقت ذاته رن تليفون الدكتور وليد، كان طالبه لواء شرطة توسط له صديق للدكتور وليد في خدمة، وماكاد يقول له: أهلا سيادة اللواء، فإذا بالعامل يشتعل غضبًا ويقفز على الدكتور وليد: أنت تبلغ عني، سوف أذبحك قبل ما يلحقك أحد!

ولولا أولاد الحلال المتواجدين في المحل وقتها، لحدثت جريمة الذبح التي تصور صاحبها أنه يدافع عن قرآن ربنا بقتل نفس بشرية بريئة لمجرد أن الضحية المحتملة خَفَضَ صوت مقرئ يتلو آيات الله، في مطعم لا ينتبه إليها الحاضرون، المشغولون بالأكل، ويتبادلون أحاديث جانبية أو يتكلمون عن مذاق الطعام، أو يضحكون معا أو يردون على مكالمات تليفونية أو..أو ..أو.

من أين استقي هذا العامل معرفته بدينه وأن القرآن يمكن أن يكون بديلا عن الغناء لتسلية رواد مطعم أو راكبي أوتوبيس أو جالسين في صالة انتظار خدمة؟

هل عقلية هذا العامل هي حالة فردية أم حالة عامة شائعة بين جنيات المجتمع؟

قطعا هي حالة عامة.

وهي حالة تديين سائدة وعملت عليها جماعات من المسلمين الذين يتصورون دينهم باب مقدسا إلى السلطة والحكم والثروة والسيطرة على عباد الله، ولم أصفهم بجماعات “الإسلام السياسي”، لأنه وصف غير صحيح ومقصود به إضفاء مكانة دينية على تصوراتهم، بينما الإسلام دين نقي من المطامع السياسية والاستغلال الاقتصادي والاجتماعي.

المدهش أن هذا العامل ومثله عشرات الآلاف من سائقي التاكسيات أو الأوتوبيسات العامة الذي يديرون أجهزتهم على آيات الذكر الحكيم وسط الضجيج والكلاكسات وصخب الطرق، يتجاهلون عمدا آداب حض عليها القرآن ذاته عند الاستماع إليه، وهي آداب معلومة وليست مجهولة..

أولا: أن يتأمل في الآيات التي يسمعها خاشعا ويتعظ بما فيها من معان وأوامر ونواه.

ثانيا: ألا يتلفت يمينا أو شمالا إلا لضرورة حتى لا يصرفه ذلك عن الاستماع الواعي.

ثالثًا: إلا يكثر من الكلام تعظيما لكلام الله.

رابعا: أن يحسن الاستماع.والإنصات حتى ينته القارئ من التلاوة امتثالا لقوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتمعوا له وَأَنصِتوا لعلَّكمْ تُرْحَمُونَ.

أي طلب الله منا الاستماع والإنصات، أي استخدام حاستي العين والأذن، وهما أول أدوات التركيز والتفكير.

أذن من أين جاؤوا بتلاوة القرآن وسط الضجيج والصخب وعدم الانتباه؟

كيف نصف من يستمع إلى القرآن وهو يغسل ماعونا أو يضع طعاما على طاولة أو يستجيب إلى طلب زبون أو يسب سيارة مارة تسد عليه الطريق أو ..أو؟، هل هذا تعظيم لآيات الذكر الحكيم أو على العكس تماما؟

ذات مرة وقبل صلاة الجمعة قلت لواحد من هؤلاء: إماطة الأذى عن الطريق صدقة..وأنتم تقطعون الطريق، كان هو وجماعته من أصحاب الذقون الطويلة والجلاليب الباكستانية والنقاب الأسود يغلقون طريقا رئيسيا أمام جامع يترددون عليه، بعضهم يصلي، وبعضهم يفرش بضائعه من عطور وأزياء سوداء وكتب دينية، فرد متجهما: هل تريد منعنا من الصلاة؟، تستطيع أن تلف من شارع أخر.

قلت: قد يكون هاك مريض في حالة خطيرة أو عربة إسعاف قادمة أو حريق شب في بيت، والثانية وليس الدقيقة تفرق بين الحياة والموت.

رد في يقين والتجهم يقفز من ملامحه: لا يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.

من الذي أوصل الناس إلى هذه الحالة من التديين وليس التدين؟، فالتدين حالة عقلية فيها تدبر وتأمل وحب ورحمة وعطاء وعمل طيب وتسامح لكن التديين حالة عصبية، فيها انفعال وانطباعات وغضب وتربص ومقت وعنصرية وإذكاء للنفس على الأخرين!

التديين حالة تضرب مصر منذ زمن، وأسستها الجماعات الدينية في الجامعات والمدارس والأحياء والقرى والمراكز والمدن، وساندها السلفيون ورسخوها في أذهان الناس، الذين يستقون معارفهم بالسمع من الشيوخ والدعاة وليس بالمعرفة المباشرة بكتاب الله وحياة الرسول، وكان المقصود منها هو إبراز ما سموه “الصحوة الإسلامية”، وبيان أنهم كُثُرْ ولهم وجود ملموس في الحياة، مما يمنح قياداتهم حق المطالبة بمساحة نفوذ في السلطة والحياة العامة.

هل يمكن لداعية أو واعظ أو شيخ أزهري أن يخرج على الناس ويحدد هذه التصرفات بدقة، ويذكر غيرها مما يشبهها ويصفها بأنها لا تمت للإسلام بصلة، وأنها على النقيض من تعاليمه ومفاهيمه ومراميه؟

فعلا الذي يجب أن نفتش له عن إجابة: لماذا يبتعد أغلب رجال الدين عن التصدي لحالة التديين بالرغم من فساد أفكارها؟

هل تعجبهم هذه الحالة؟ هل لهم مصالح في دوامها وتغلغلها في حياتنا؟

هؤلاء ( المتدينيون ) ودعاتهم أخطر على المجتمع من الإرهابيين، لأنهم يصنعون المناخ المتعصب الذي يمهد الطريق للعنف ثم الإرهاب.

أزمة الإرهابي مقدور عليها في ميدان المطاردة والعنف المضاد، فالعدو واضح والأسلحة متاحة وأدوات الملاحقة يمكن أن تتسع وترتفع كفاءتها، لكن أزمة أصحاب التديين أصعب، لأنهم يتحركون تحت جلدنا، هم لم يهاجروا إلى الصحراء والمغارات ولا يمسكون في أيديهم أسلحة يقاتلوننا بها، ولكنهم يصنعون قنابلة موقوتة من أفكار لا يطاردها القانون، أشبه بعوائق خماسية في وجه أي مجتمع نحو التقدم والحياة الطبيعية.

بالقطع سوف ننجح في تطهير بلادنا من الإرهابيين، فالحرب أي حرب لها نهاية مهما طالت مثل أي فعل مادي، فالمادة تنفد أي تستهلك وتفنى، لكن الفكرة حالة معنوية ممتدة، لا ينفع معها سوى تحصين المجتمع ضدها بأفكار تشبه نور الشمس الذي يبدد العتمة.

وللأسف نحن نحارب الإرهاب لكننا لا ننتج أفكارا ضد التديين الذي يزرعه!

أضف تعليق

عدد التعليقات