نبيل عمر يكتب :نظرية المؤامرة والواقع التعيس! « جريدة الجمهورية والعالم

نبيل عمر يكتب :نظرية المؤامرة والواقع التعيس!

الإثنين, نوفمبر 18th, 2019

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق.

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق.

كتب – نبيل عمر :في جلسة دردشة بين أصدقاء قدامي التقوا بعد فترة غياب على عشاء، كنا من مهنة مختلفة، صحفيين وأطباء ودبلوماسيين وفنانين ومهندسين ورسميين ورجال أعمال وموظفين كبارا، وجرى الحديث رقراقا بين نكات وحكايات ساخرة وذكريات مشتركة ومواقف ساخنة، قبل أن نجد أنفسنا في خضم تساؤلات صعبة عن أحوالنا في المنطقة العربية، وكان الرئيس التركي رجب أردوغان وما يصنعه في سوريا هو البوابة الذي دخلنا منها إلى واقع تعيس، خاصة قراره بأن يُعيد الدواعش إلى بلادهم الأصلية، كما لو أن بلادهم في حاجة إلى مزيد من الاضطرابات السياسية والأمنية.

وفجأة قال طبيب نفسي: لكن من غير ما نستخدم نظرية المؤامرة في تفسير الواقع التعيس.

فسألته: وكيف نستبعدها مبدئيا طالما نبحث ونحلل الأسباب.

قال: جنون الشك والارتياب مرض معروف، لتفسير أي فشل أو تعثر في حياة المريض به، والمؤامرة مفتاح سهل نتصور أنه يفتح لنا كل الأبواب، وفي الحقيقة هو مفتاح وهمي يربك الذهن ويشوش على التفكير العلمي المنظم، فلا نصل إلى معرفة الأسباب الصحيحة.

وقال مهندس معماري معروف: نحن شعوب مدمنة لنظرية المؤامرة، ونتعلق بـ”قشها” كلما غرقنا في أزمة كبرى أو مشكلة هائلة أو حادث عظيم ، ولم تنقذنا أبدا، ومازلنا نغوص أكثر وأكثر في قاع أزماتنا.

ضحكت قائلا: لكن المؤامرة نظرية غربية في الأساس، فقط ثمة فارق بين المؤامرة في الفكر الغربي والعقل الشرقي.

سأل متعجبا: لماذا استخدمت فكرا للغرب وعقلا للشرق والفكر والعقل مكون واحد؟

لا ..الغرب ينتج فكرا متكاملا قائما على منهج علمي، بينما الشرق عقله معطوب يفرز أفكارا مشوها أو ناقصا كالكائنات المبتسرة.

نعم نظرية المؤامرة اختراع غربي مئة في المئة، وظهرت أول مرة في عام ١٩٠٩ في الولايات المتحدة، واستخدمت على نطاق أخذ يتسع تدريجيا في محاولات فهم أحداث كبرى مؤثرة تبدو غامضة في أسبابها ودوافعها، ثم صارت نظرية شائعة بعد مقتل الرئيس الأمريكي جون كنيدي في ٢٢ نوفمبر عام ١٩٦٣، فالرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة لقي مصرعه على الهواء أمام عشرات الملايين من المشاهدين ووسط حراسة كثيفة في مدينة دالاس بولاية تكساس، ولم يُعرف حتى هذه اللحظة ماذا حدث، وما أسباب قتله؟ وكان طبيعيًا أن يوغلوا في نظرية المؤامرة وقتها، لأن الأمريكان لهم تاريخ طويل في اغتيال الرؤساء، وكانت حمايتهم عملا متخصصا، فكيف يُقتل الرئيس بهذه البساطة؟، وهل لي هارفي أوزوالد الذي اعتقلته الشرطة هو القاتل الحقيقي أم مجرد كبش فداء؟، خاصة أن أوزوالد نفسه لم يصل إلى قاعة المحكمة ليستخرج منه المحققون حقائق الجريمة وعلاقته بها، وقُتل بسهولة مفرطة وهو في الطريق إليها.

حتى السينما الأمريكية في أفلام كثيرة اتبعت نظرية المؤامرة في محاولاتها للإجابة أن عن تلك الأسئلة.

المهم أن مصطلح نظرية المؤامرة شق طريقه إلى قاموس أكسفورد الشهير، وبدأت تتأصل ويتشكل لها جسم وأذرع وأقدام، سواء بالتشكيك فيها أو بتأكيدها حسب نوع العلم الذي يتناولها، فعلم السياسة تحدث وتوسع في التفسير المريب لها وجنوحها إلى الخيال، فالمؤامرة عمل سري فيه اتفاق بين أطراف على عمل مخالف للقانون قد يأخذ شكلا قانونيا، وتتابع خيوطها بشكل جماعي متسق مع بعضه، وحدد لها العالم مايكل باركون ثلاثة مبادئ: أن الكون محكوم بتصميم ما، لا شئ يحدث بالمصادفة، ولا شئ يكون كما يبدو عليه، وكل شئ مرتبط ببعضه.

بينما علم الاجتماع مال إلى تأكيد واقعيتها، مبرهنا عليها ” بوقائع ونتائج” لها وجود مادي وغير قابلة للتفسير المنطقي.

والمدهش أن الأوربيين يصفون الولايات المتحدة بأنها موطن نظرية المؤامرة وسر انتشارها، مع أن تاريخ أوروبا قديما وحديثا ممتلئ الصفحات بأكبر قدر من المؤامرات، أبسطها مؤامرة الملك الإنجليزي هنرى الثامن على زوجته آن بولين ليعدمها ويتزوج بغيرها تنجب له ابنا إلى إشعال حربين عالميتين راح فيهما ما يقرب من ٨٠ مليون قتيل وتدمير عشرات المدن عاليها وطيها، وإلقاء قنبلتين ذريتين لأول مرة في التاريخ.

لكن الأوربيين شعبيا لا يتوقفون لا كثيرا ولا قليلا عند نظرية المؤامرة.

وإذا فتحنا ملف الشرق في المئة سنة الأخيرة فقط سنجده لأسباب كثيرة هو “ساحة المؤامرات الكبرى” من أول “سيكس بيكو” إلى حرب الإرهاب في سيناء.

وإذا ركبنا بساط الريح عكس اتجاه الزمن، لن يختلف التاريخ التآمري الشرقي في الإمبراطوريات والإمارات والمماليك عن تاريخ أوروبا القديم والوسيط، سواء قبل ميلاد المسيح أو بعده، في الجاهلية أو بعد ظهور الإسلام.

باختصار المؤامرة جزء من إدارة الصراع في العالم فرديا وجماعيا ومجتمعيا ودولا منذ بدء الخليقة، صراع على أمرين في غاية الأهمية: الاستحواذ على النصيب الأكبر من الثروة، والتمتع بأكبر قدر ممكن من السلطة، أي أن المؤامرة احد أدوات هذا الصراع المخفية حين “تفشل المواجهات الصريحة المباشرة في تعديل موازين القوى بين الأطراف المتصارعة.

والمؤامرة الحديثة أكثر تعقيدا، فالمتآمرون استطاعوا تجنيد جماعات وظيفية تلعب لعبتها من داخل جسم المجتمع ذاته، خلايا سرطانية تهدم من الداخل بطريقة محددة ومخططة تحت ذرائع لها بريق وطني أو سياسي أو اجتماعي أو إنساني، في الوقت الذي تبدو نظرية المؤامرة حبل نجاة للنظم الاستبدادية من الغرق في اي طوفان شعبي غاضب.

المؤامرة جزء من الحياة، حالة طبيعية، العجزة والأغبياء فقط هم الذين يتحدثون عنها عملا استثنائيا وقوى قاهرة لا قبل لهم بمواجهتها، ويلصقون بها كل فشل ذريع يحيطون أنفسهم به، وفي المقابل يتعامل معها الأقوياء والقادرون بوعى وفهم ونظام دفاعي رادع ينقلب بعدها بمباشرة الى هجمات مضادة فعالة.

وعموما إدارة الصراعات وكسر المؤامرات والنهوض قدما لا يلزمها “عناصر معنوية” فقط كالتكاتف وإدراك ما يدبره الأخرون لنا..الخ، وأنما بصناعة نظم حكم قوية قادرة على تجميع قوى المجتمع الشاملة، ليس فقط لصد المؤامرات، ولكن للإجابة على السؤال الأهم الحاسم: ماذا نريد؟، وكيف نصنع وطنا محلا للسعادة لكل مواطنيه؟ وكيف نلوى عنق الظروف ونجبر الواقع بكل ملابساته على الوصول إلى ما نريد.

أضف تعليق

عدد التعليقات