القانون وإهانة الاهلي « جريدة الجمهورية والعالم

القانون وإهانة الاهلي

الأربعاء, أكتوبر 9th, 2019

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق

كتب – نبيل عمر :هل يمكن أن نسأل كل الذين رفعوا رايات الامتعاض والاعتراض على الألفاظ البذيئة التي وجهت إلى النادي الأهلي ورئيسه ومجلس إداراته على الهواء: ما هي أسبابكم الأن وأنت تنصتون إليها كل يوم وتصمتون عليها منذ زمن؟

صحيح أن بذاءة الألفاظ ترسم ملامح صاحبها وبيئته وثقافته، وقد تنحصر في حالة فردية يمكن اجتثاث شرها بسهولة، وربما هي جزء من تيار حاد يلطم أسماعنا وحياتنا من سنوات وتحتاج إلى حل عام.

ودعونا نسأل: هل غضبنا الآن مجرد ألة تنبيه لنا أفرادا أم نوبة صحيان للدولة والمجتمع كله؟

والسؤال مهم حتى نفرق بين أمرين مختلفين، الأول أن يكون الامتعاض والاعتراض وردود الأفعال الصاخبة هي انفعال عاطفي يتكسر بطبعه على رمال الصبر وطول البال، وهذا النوع من الانفعال لا قيمة له وتأثيره أشبه بإلقاء حجر في بركة آسنة، يهز سطح المياه دون أن نتخلص من عطنها الداخلي، والثاني أن تكون حالة متصاعدة تدق على رؤوسنا جميعا دقا عنيفا، كي ننتبه إلى قدر الانحطاط الثقافي والعقلي الذي انزلقنا إليه، فنعمل على إيقافه.

أيا كان سبب غضبنا، فالبعض منا يريد الدفاع عن الأخلاق خوفا من أن تنزلق هذه الألفاظ على ألسنة أطفالنا في البيوت طالما هي تقال على الفضائيات دون رادع..وهو رفض مهم لكن هدفه محدود وغير كاف.

والبعض الأخر متبرم ومشحون ضد صاحب البذاءة الذي يتملكه إحساس متعاظم بالقوة وعدم المبالاة إلى درجة الاستهتار بالآخرين والقانون..فحان الوقت لنرفع له سيف القانون الذي على قواعده تتأسس الدول وبإهماله تتقوض الأعمدة.

وقد نتذكر قبل سنوات ما تلفظ به منتج سينمائي شهير في وجه المذيع اللامع وائل الإبراشي، وكان لفظا وقحا يعاقب عليه القانون، لفظ من تلك التي تتطاير في خناقة حواري أو بين سفلة محترفين، أو أولاد شوارع على رصيف، وكان يستحيل أن نتوقعه في حوار تليفزيوني ، وتساءلنا وقتها تحت أقنعة الدهشة المفرطة التي وضعناها على وجوهنا كأننا في حفلة تنكرية: هل هذا معقول في مجتمعنا الذي لا يعرف مثل هذا الخروج على الأخلاق علنا؟.

وكنا كاذبون.. لأننا تركنا الوباء يستفحل حتى صار ظاهرة، ولم تعد شخصا بعينه وإن كان تجسيدا لها.

وكان تبادل تلك الألفاظ العارية الخارجة على الأخلاق والقانون مثل النكات الشعبية.

لم تكن أبدا حالة فريدة بل جزء من ظاهرة راحت تتسلل وتضرب في كل جنبات المجتمع ، منذ أطل علينا شخصية عامة في الفضائيات يسب الأخرين بالأب والأم ويهدد بالحذاء ويفرش الملاية لكل من يعترض عليه أو يقف في وجهه.

نعم نحن نعيش في مستنقع هذه الألفاظ والأفعال من فترة طويلة نسبية، وبالمناسبة ليس بعد ثورة ٢٥ يناير كما يتمني البعض ويمنى نفسه، لكن قبلها كثيرا، إذ كانت شائعة في الأحياء الشعبية والعشوائيات، ومحدودة نسبيا خارجها، ثم تعاظمت أو أعلنت عن نفسها بوقاحة حين تحلل المجتمع من جزء كبير من روابط القيم الايجابية وقيودها، وترك نفسه لقيم سلبية كانت تكسب مساحات منتظمة ببطء وتكريس، والقيم ليست الأخلاق، الأخلاق جانب منها، وإنما القيم هي مجموعة القواعد الحاكمة للسلوكيات العامة والخاصة وهي ” قواعد موضوعية” وليست انطباعية ومستمدة أساسا من النظام العام الذي يدير حياة الناس وحالته الثقافية مختلطة ببعض تقاليد وعادات متوارثة، فقيم المجتمع المنتج تختلف كليا عن قيم المجتمع المستهلك، في احترام القانون والوقت والأخر والإتقان في العمل، ولهذا تنمو في المجتمعات المنتجة قيما جديدة سامية، بينما تستنزف المجتمعات المستهلكة قيمها بالتدريج، ومع تهالك القيم، تنحدر الأخلاق، فهل يمكن لإنسان لا يتقن عمله ولا يحترم الوقت والإبداع والابتكار والمساواة وتكافؤ الفرص وحقوق الآخرين أن يكون في غاية الاخلاق والأدب ولا تخرج منه “العيبة”؟!

قطعا لا وألف لا..

أذن يجب أن نرفع لهؤلاء راية القانون في وجوههم حماية للنظام العام الذي يدير حياة الناس اليومية.

وكفانا ما جنيناه من إهمال وتراخ فلم نستخدام سيف القانون في قطع رقبة هذه الظاهرة..ربما سهوا وهو ما لا نستسيغه، ربما عمدا وهو واضح للعيان..فماذا كانت النتيجة؟

بات السب والشتيمة والإهانات بساط الريح الذي حمل البعض إلى المكانة العامة التي وصلوا إليها، السلاح الفعّال في إزالة كل المعوقات أمام الوجود المحسوس تحت الضوء وبين نجوم المجتمع، خاصة إذا كان صاحبها إعلاميا أو برلمانيا أو رئيس نادي رياضي أو ممثلة أو راقصة أو مغنية أو لاعب كرة، وأصبح منهم من يستشعر الموت لو مر يوم دون أن يُستضاف في برنامج أو يتحدث في إذاعة أو يصنع أزمة مع وزير أو صحفي أو مع ناد منافس أو منتج سينمائي أو..أو الخ.

وسقط الإعلاميون في الفخ وأدمنوه، ولهثوا خلفه راجيين منه تصريحا أو تلميحا أو كلمة مجرد كلمة، فنسبة المشاهدة وشهرة المذيع ومرتبه صارت مرتبطة بالسخونة التي يصنعها الضيف المشاغب وتطلبها شركات الإعلانات، بغض النظر عن قيمة ما يقال، فأفسدوا المناخ الإعلامي وانتقلت الألفاظ السوقية والبذيئة من آلسنة العوام في الشوارع إلى شاشات الفضائيات، وسمعنا كلمات من عينة “أمك، “الدكر فيكم يوريني نفسه”، “يا ولد أكشف على نفسك الأول شكلك من إياهم”، شوف أبوك مين وتعالي كلمني”، يا خمورجي”، “اطلع لكم سيدهاتكم”..الخ.

نعم تركنا الوباء يستفحل ، ولم يعد شخصا بعينه وإن كان تجسيدا له.

بل ورأينا مذيعين يسمحون بالتطاول من ضيوفهم على أخرين أو على ضيوفهم وهم يظهرون امتعاضا كاذبا واستنكارا يستفزهم إلى مزيد من التطاول..

وحين تدخل المجلس الأعلي للإعلام بايقاف التجاوزات، راجت صناعة الفيديوهات الخاصة على الإنترنت وشاعت مساحة الردح والبذاءة، واقبل الجمهور في اللعبة متابعا أو منتجا.

باختصار تركنا حالة سفالة فردية فانقلبت إلى ظاهرة.

وإهانة الإهلي وإدارته طول الوقت لعبة شديدة الخطورة، لن تنفجر في وجه صاحبها فقط، وإنما قد تدفعنا للسقوط في هاوية الفتنة التي أطرافها ملايين، وجمهور كرة القدم بطبعه منفعل وحاد.

والحل بسيط وسهل جدا أن ندع القانون والقانون وحده هو الذي يحكم، دون حصانة لأحد!

أضف تعليق

عدد التعليقات