أخـي المُســـــــــلم .. إحنا ولا حـــــاجة! « جريدة الجمهورية والعالم

أخـي المُســـــــــلم .. إحنا ولا حـــــاجة!

الثلاثاء, سبتمبر 3rd, 2019

الكاتب :أحمد لطفى

الكاتب :أحمد لطفى

كتب – أحمد لطفى :هل يبدو كلامي صادمًا ؟! ربما، فأنا مثلك من مواليد القرن العشرين، لهذا لم يسعفنى الحظ بأن أشاهدعلى الطبيعة تلك المشاهد المثيرة فى العصور المظلمة، عندما كان الغوغاء يهاجمون “الساحرات” ويحرقوهن وسط الهتاف والتصفير، أو يسحلون العالمة ” هيباتيا ” حتى الموت فى شوارع الإسكندرية، أو يحرقون كتب الفيلسوف “جوراس”  فى ساحات أثينا عقابًا له على السفسطة؛ لكن مصر – كعادتها دائمًا – لا تحرمنا من شىء، فلا بد أن تلك المشاهد لم تختلف كثيرًا عن ما نقرأه على مواقع التواصل الاجتماعي من هؤلاء المرضى الشامتين في وفاةِ عامٍ بحجم البريطاني “ستيف هوكينج” أحد أهم علماء الفيزياء في العصر الحديث، إن لم يكُن الأهم. الرجل الذي يعتبر بفضل إسهاماته العلمية علامة من علامات الحضارة الإنسانية في العصر الحديث، الرجل الذي قدم مفهومًا جديدًا ورائعًا يجسد معاني قوة الإرادة وصلابة العزيمة حين قال عن نفسه: “عشت مع إمكانية الموت المبكر في السنوات التسع والأربعين الأخيرة؛ لكني لا أخشى الموت، ولست على عجلة من أمري، فلدي أشياءٌ كثيرة أود أن أقوم بها أولًا”.

 

هذا الرجل الذي جعله الحمقى والمنافقين والأفاقين، مادة لتندرهم وسخريتهم، واستغله المرضى بفيروسات التدين الشكلي لشرح مفاهيم الإلحاد، واعتبره غيرهم كافرًا متوعدين ومتنبئين بالعذاب المقيم بين الناكرِ والنكير. رحم الله “ستيفن هوكينج” وأسكنه فسيح جناته.

 

ينسى هؤلاء المهاويس، ربما بزعم حرية الرأي، أن دول العالم المتقدم، التي صعدت إلى القمر والمريخ وابتكرت الوسيط الذي أتواصل معك من خلاله الآن، لن تستورد قواعد حرية التعبير من دول ما زالت تستورد شطافة الحمّام، وهناك من يتذاكى، فيطالب بميثاق عالمى لاحترام “الأديان السماوية ” فحسب، وهي فكرة رائعة لولا أن المسلمين نسوا عامدين أو غافلين أن الإسلام دين سماوي بالنسبة لمعتنقيه فقط، فهو- ولمن لايعلم – ليس سماويًا بالنسبة للمسيحية ولا اليهودية، وكي أكون دقيقًا، هناك دين وحيد يعترف بالإسلام كدينٍ سماويٍّ، هل تعرف ما هو؟، إنه البهائية! نعم البهائية التي يصفها هؤلاء الحمقى معتنقيها بالكُفر أيضًا!هل رأيت بلاهة أكثر من ذلك؟!

 

إذن، دعني أقول لك بصراحة أكثر: أخي المسلم، أختي المسلمة، الحق أقول لكم: “إحنا ولا حاجة!”. أقول لكم ذلك، لأن من يريد أن يذهب إلى أي مكانٍ، لا بد أن يعرف أولًا أين هو أصلًا، أين يقف في ساحة الجغرافيا ولحظة التاريخ؟

لاشك أن كل من قرأ ولو قليلًا في الطب النفسي (أقول من قرأ، لأننا أمةٌ لا تقرأ إلا باب الحظ في الجرائد فقط)، أن نصف العلاج يكُمن في “إقناع المريض بأنه مريض”، هذه العبارة السابقة تبدوبسيطةً، لكن تحقيقها شديد الصعوبة، لأن المريض غالبًا يقاوم الاعتراف بشراسة.

 

خُذ مثلًا مريض البارانويا، هذا المريض لديه أسبابٌ مادية ومنطقية جدًا تؤكد له حجم المؤامرة عليه. مريض الوسواس القهري سيجادلك ساعات في ضرورة أن يتأكد من إغلاق صمّام الغاز المرة تلو المرة، إن هذا المريض وذاك لا يتكلمان من فراغٍ كامل، فقد يكون للأول أعداء فعلًا – وكلنا كذلك – وقد يتسرب الغاز فى بيت المريض الثانى فيقتله، لكن دور الطبيب هنا ليس أن يقنعه بتجاهل الأعداء أو إهمال إغلاق صمام الغاز، بل في إقناعه بوضع تلك المخاطر في حجمها الطبيعي؛ أن يُعلّمه أن المخاطرة جزء من الحياة، وأنه لا يستطيع السيطرة على الحياة لكنه يستطيع السيطرة على مخاوفه. وأنت أيضًا لا تستطيع السيطرة على جميع سكان العالم فتمنعهم من توجيه الإساءات إليك، وإنما عليك أن تضع تلك الإساءات في حجمها الطبيعى، لا أن تأخذها من مصدرها فتضخمها – كمريض الوسواس – أكثر وأكثر حتى تملأ عالمك وتفسد عليك حياتك، لأنك انشغلت بها عن عملك ومستقبلك، أما إذا وضعت الأمور في نصابها، ثم تلفتّ حولك، ستدرك أن عليك تعويض ما فاتك فورًا، فالحالة لا تحتمل أي تأخير، لأنك ستتأكد مما قلته لك قبل قليل، وهو – مع الأسف: ” إحنا.. ولا حاجة “. ولن أُدَلّل على هذه الحالة الصفرية بالكلام الذي فقد معناه من كثرة تكراره، على غرار ترتيبنا في جداول الاقتصاد والصحة والبحث العلمي، أو كوننا لا نستهلك أو نستخدم شيئًا من صنع أيدينا، لكني سأطلب منك فقط أن تتخيل المشهد التالي:

 

استيقظ العالم في صباح الغد ولم يجد العالم الإسلامي، اختفى المسلمون من أوزبكستان إلى المغرب، ترى، ماذا سيخسر العالم؟،هل سينهار الإنترنت؟ هل ستتوقف ناسا؟ هل ستتعطل تويوتا؟ هل سيُلغى الأوليمبياد؟ هل ستغرق حاملات الطائرات؟ هل يتأثر البحث العلمي؟ هل سيتوقف إنتاج الأدوية؟ أبدً.. لاشيء من هذا سيحدث على الإطلاق.

صدقتني الآن إن إحنا ..ولا حاجة “، ولن نكون ” حاجة ” إلا بالعلم، وهنا آتيك بالخبر السيئ: لا تقدم علميًا دون الحرية المطلقة للرأي والتفكير والتعبير والاعتقاد، هكذا تقدّم العالم ولا توجد طريقة أخرى. هل تظن أننا يمكن أن نظفر بتلك الحرية؟ نعم يمكن جدًا، أما لو سألتني كيف هذا، سأقول: ترحم أولًا على “ستيفن هوكينج” وبعدها ربنا يسهل!

أضف تعليق

عدد التعليقات