نبيل عمر يكتب :الفهم الخاطئ لمعنى الدولة واحد من أسباب العنف والتطرف والقتل « جريدة الجمهورية والعالم

نبيل عمر يكتب :الفهم الخاطئ لمعنى الدولة واحد من أسباب العنف والتطرف والقتل

الإثنين, يونيو 3rd, 2019

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق.

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق.

كتب – نبيل عمر:هل كنا أكثر تفتحا فى الفكر والعقل والوجدان قبل مائة عام؟ سؤال محير، لأن العقول تتحرر بالمعرفة وتتفتح بالعلم، ولا وجه للمقارنة للحالة المعرفية والعلمية التى كان عليها العالم حين كتب الشيخ على عبد الرازق كتابه المهم : الإسلام وأصول الحكم قبل 94 عاما، والحالة التى نحن عليها الآن، وبالرغم من هذا تبدو سحابات القرون الوسطى السوداء هى التى تسافر فوق رءوسنا طول الوقت.

قبل 94 عاما اختار الشيخ الأزهرى على عبد الرازق طريقا وعرا لم يمش فيه أحد قبله، وداس فى مساحات ملغمة معلقا عليها: ممنوع الاقتراب أو التفكير، كتبها مسلمون قدماء ومحدثون: حكام ومحكومون، علماء وأميون، شيوخ وعوام، فعاشت 1400 سنة، صنعوا فيها كهنوتا سياسيا مقدسا هو الخلافة وألصقوها بالإسلام، واعتبروها جزءا من الرسالة السماوية، إذا تخلوا عنها، كأنهم هجروا دينهم وأهملوا عباداتهم وساروا فى طريق الشيطان بغير رجعة، فصارت تلك الخلافة هى الفريضة الغائبة التى يبحث عنها كثير من المسلمين ويجاهدون فى سبيل عودتها.

لم يسألوا أنفسهم سؤالا بسيطا للغاية: كيف لا يصح إسلام المسلم فى الإسكيمو أو فوق جبال الهمالايا أو الجزر اليابانية أو على حدود الصين أو على ضفاف نهر الأمازون لمجرد أن حاكمه ليس خليفة ولا قرشيا، ولم يبايعه أهل الحل والعقد كما حددت كتب التراث شروط الحاكم؟

مع أن هذه الأفكار التفصيلية لم تزر عقل الشيخ على عبد الرازق إلا أنه فكر فى الإجابة عن سؤال شامل: هل الخلافة من أصول الدين أم هى نظام دنيوى استحدثه المسلمون لتسيير أمور حياتهم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ سؤال كان مجرد التفكير فيه جريمة فما بالك بمن يجيب عليه نافيا أن تكون الخلافة أمرا دينيا. لن ندخل فى تفاصيل أسباب كتابة الشيخ على عبد الرازق كتابه الشهير: الإسلام وأصول الحكم، فالأسباب قد نختلف حولها، نعارضها أو نتفق معها، ننكرها أو نثبتها، لكن تظل الأفكار التى عرضها الكتاب بأسانيدها العلمية والدينية لها واجاهتها.

حين صدر الكتاب فى عام 1925، كان كمال أتاتورك قد أسقط الخلافة الإسلامية فى تركيا، وأمر بتحويل الحروف العربية فى اللغة التركية إلى حروف أجنبية، ليفرض قطيعة بين الأتراك والثقافة العربية، لأنه كان يعتقد أن تلك الثقافة بتراثها من الكتب الدينية هى سبب تخلف بلاده، وعدم قدرتها على الفكاك منه، وأن القطيعة معها ضرورة لإحداث نهضة سريعة.

قد لا نتفق كليا مع أتاتورك..لكن هكذا فكر الرجل وتصرف. فى تلك الفترة اهتز وجدان الشيوخ وعلماء الدين ومفكرين تقليديين وبشر عاديين من سقوط الخلافة، وربما صرخوا من هول الصدمة: كيف يعيشون ويرفعون راية دينهم دون حاكم هو خليفة المسلمين؟، هذا قطع لتراث ممتد منذ استخلاف أبى بكر الصديق فى سقيفة بنى ساعدة، ليكون خليفة رسول الله. وقيل إن هؤلاء المصدومين «الخلافيين» فكروا فى أن تنتقل الخلافة من اسطنبول إلى القاهرة، ومن السلطان عبد الحميد إلى الملك فؤاد، ونقبوا بكل الوسائل عن صلة نسب تجمع بين فؤاد وقريش، ليوفروا له الشرط الأهم فى أمير المؤمنين، مع أن الإمبراطورية العثمانية لم تعرف أبدا خليفة كان قريشيا طوال تاريخها! فكتب الشيخ على عبد الرازق كتابه ليقطع الطريق على الملك فؤاد..

وتصدوا له وقالوا فى الشيخ ما قاله مالك فى الخمر، وأن الشيخ عميل كتب ما كتب بوحى من الإنجليز أعداء الخلافة العثمانية وقد تعلم فى بلادهم وعاش فيها ثلاث سنوات..

قطعا لا تعنينا الأسباب بقدر ما يعنينا الرجل وكتابه، خاصة أن أفكاره كانت جديدة مبتكرة اتبع فيها المناهج العلمية الحديثة، وسار على نهج الفلاسفة فى طرح التساؤلات المنطقية، وأثبت أن الخلافة لا وجود لها فى القرآن والسنة، وإنما هى عمل دنيوى أسس له فقهاء السلطان أسانيد دينية يُخْضعون بها الناس لخلفاء كانوا يتوارثون الحكم ويأخذ أغلبهم البيعة بحد السيف، دون أن نهمل أن الفتنة الكبرى فى زمن على بن أبى طالب بكل ما فيها من دماء وقتل كانت صراعا على الخلافة، ولو كانت أمرا دينيا سماويا ما نشبت كل هذه الصراعات حولها، وما تُرِكَ أمرها للقوة تحدد مساراتها. والذين ثاروا على الشيخ على عبد الرازق وأهانوه، لم يحاولوا قط التفريق بين مصطلحين ومعنيين لا تشابه بينهما على الإطلاق هما، تاريخ الإسلام وتاريخ المسلمين، وأن الخلط بينهما تسبب فى دماء وارتباك وتطرف فى عقول وأفئدة كثيرة.

تاريخ الإسلام هو المتعلق بالدِّين وما أحاطه من أحداث وأفعال منذ نزول الوحى إلى وفاة الرسول «صلى الله عليه وسلم»، أى تاريخ الرسالة، ويشمل أفعالا مقدسة منزهة وعلاقات محددة نزلت بها آيات القرآن وتصرف على أساسها الرسول تفسيرا وشرحا، لأنها لم تكن مفصلة وقابلة للتأويل وغير قابلة للتغيير، مثل أحكام الزواج والطلاق والميراث والزكاة والشروط العامة للبيع والشراء وتحريم الربا وغيرها، وقد نختلف فى تعريف مصطلح الربا، هل المقصود به ربا فردى أو ربا جماعي، بمعنى ..حين تقترض شركة مساهمة تمويلا من بنك هو نفسه شركة أخرى هل هو ربا مثل أن يستلف شخص محتاج قرضا من شخص مقتدر بفائدة؟

أما تاريخ المسلمين فهو كل ما يتعلق بالذين آمنوا بالإسلام وماجرى لهم من أحداث ووقائع وتفسيرات واجتهادات فى الحياة بكل جنباتها بعد اللحظة التالية لوفاة الرسول إلى اللحظة الحاضرة، ويشمل أفعالا بشرية لا مقدسة ولا منزهة أيا تكن مكانة أصحابها، وجرت وفق مفاهيم وتفسيرات تقبل الصواب والخطأ ومحكومة بتطور الزمان والمكان، وبسبب بشرية هذه المفاهيم والتفسيرات والأفعال اندلعت حروب وسالت دماء وأهدرت ثروات للاختلاف حول مدى قدسيتها الدينية.

باختصار إن الفهم الخاطئ لمعنى الدولة واحد من أسباب العنف والتطرف والقتل، فهى ليست من أصول الدين، فالدول تقوم وتنهار، تتوسع وتنكمش، لكن الدين دائم ومطلق، وهذا لا يعنى أن نعزل الدين عن المجتمع، والإسلام دين ومجتمع، ويمكن لأى مسلم أن يكون مؤمنا فى أى مكان فى العالم دون دولة يحكمها خليفة.

أضف تعليق

عدد التعليقات