“هم / نحن”: تصالح ثقافي أم تصادم أيديولوجي؟………. « جريدة الجمهورية والعالم

“هم / نحن”: تصالح ثقافي أم تصادم أيديولوجي؟……….

الثلاثاء, أبريل 2nd, 2019

أستاذ دكتور/اسامة مدني عميد كلية الآداب جامعة المنوفية

أستاذ دكتور/اسامة مدني عميد كلية الآداب جامعة المنوفية

بقلم: أسامة مدنى  – يتطلب التنوع الثقافي حالة من “التعايش”؛ أى الوصول إلى حد أدنى من الاختلاف المتبادل وصولاً إلى مرحلة “التصالح”، وهو ثقة متبادلة غير مشروطة. فالصراع يتبلور بتقوقع ثقافة ما على نفسها وعندها تعجز عن الاعتراف بأن غيرها قد ترى الأمور بشكل مختلف، وبالتالي تقفز إلى استنتاجات يغلفها التنميط والتعميم. فمعرفتنا بثقافة الغير غالباً معرفة سطحية تتعلق بالمأكل والملبس والعادات والتقاليد ولا تغوص إلى مستوى القيم والمعيشة والتفكير. فهى معرفة السائح بثقافة الآخر مما يحدث حالة من التسطيح والقولبة. ويزول هذا التمنيط والتعميم بمعرفة ثقافة وفنون وآداب هذه الثقافات الأخرى ودورها في بناء الحضارة الإنسانية المشتركة؛ وهو تحريك نسبي للرؤى يعي معه الآخر ثقافته بشكل أعمق.

ومن هنا كان التحذير من خطورة الانزلاق إلى هوة تعميم الآخر وتشكيل صورة ذهنية سلبية عنه كما حدث من قِبل الكاتبين الأمريكيين فرانسيس فوكياما وسامويل هانتنجتون في كتابيهما “نهاية التاريخ” (1992) و “صدام الحضارات” (1996).

الأول افترض أن الديمقراطية الغربية هي النموذج الأمثل للتطور الاجتماعي والثقافي؛ فهي تمثل نهاية التاريخ لأنها أفضل أشكال الحوكمة على مر العصور، وهو تحيز غير محايد للأيدولوجية الغربية؛ والثاني ذهب إلى انقسام العالم بعد الحرب الباردة إلى أيديولوجيات متناحرة، وخص الإسلام بالأيدولوجية التي ستصطدم حتماً بالغرب، وهو أيضاً تعصب غير موضوعي للغرب ضد الشرق. ويغفل الكاتبان هنا نماذج أخرى من الحكم ترتكز على مفاهيم العرق والدين والأعراف سائدة وراسخة في العديد من الثقافات الشرقية. ولقد جاء كتاب “الاستشراق” (1978) لإدوارد سعيد ليفند بحرفية ذلك التنميط الممنهج للشرق من قبل الثقافة الغربية الذي لم تره سوى “آخر” غريب وعدواني. فالتحيزات العديدة التي ألصقتها الثقافة الغربية بالشرق، منذ القرن التاسع عشر، بمثابة خطاب أيدولوجي تغلّفه العمومية والتسطيح والدونية ينمط الشرق سلبياً ويقولب الغرب إيجابياً: فالأول متخلف همجي، والثاني متطور متحضر؛ الأول مهد كل بدائي وغريزي والثاني منبت كل عقلاني وموضوعي. “فالاستشراق”، كما يؤكد سعيد، خطاب معرفي أفرز إنتاجاً غربياً غزيراً من قِبل أدباء وفنانين وفلاسفة وسياسيين ورحالة هدفه تنميط الشرق بأديانه وثقافته وشعوبه بشكل أحادي، ومغاير للحضارة الغربية.

وقد أنتج هذا “الاستشراق” الأيديولوجي شرقاً ضعيفاً في الوجدان الغربي بهدف تكوين وعي جمعي بالتفوق والهيمنة. فقد قامت الإمبريالية الغربية بتفكيك وإعادة تركيب الشرق لتشكيل صورة سلبية عنه: “نحن” في مقابل “هم”؛ فازدهر الاستشراق واستشرى كمنهجٍ غربي أحادي لم يشارك الشرق في إنتاجه ويتبرأ منه. ثم زادت حدة الاستقطاب بين الشرق والغرب بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، فتشكل “الاستشراق الحديث” الذي حفر صورة العرب كإرهابيين وقتلة، وخص الإسلام  بالأيدولوجية الإرهابية الساعية إلى تقويض الغرب المتحضر، وهو منهج يمثل امتداداً للاستشراق القديم الهادف إلى تأصيل الإمبريالية الغربية. ومن ثَم، ظهرت مصطلحات في الخطاب الاستشراقي الحديث مثل “الأصولية الإسلامية”، “والفاشية الإسلامية”، “والإرهاب الإسلامي”، “والإسلام العسكري”، بهدف تشكيل دائرة مغلقة للإسلام كأيديولوجية رجعية، معادية ومقوضة للديمقراطية الغربية. أدى ذلك إلى تشكيل وعي غربي عنصري ضد العرب والإسلام والمسلمين، زاد من حدته عولمة العلاقات الإعلامية والتكنولوجية بين القطبين، فتناول هؤلاء المستشرقون الجدد ثنائيات الديمقراطية/الديكتاتورية، الحرية/الأصولية، حرية التعبير/الرقابة القمعية، كأدوات للتأصيل للثنائية الكبرى: الغرب/الشرق ممثلاً في العرب والإسلام  والمسلمين. فحلت الإسلاموفوبيا على الغرب؛ ذلك الخوف المفرط من الإسلام والذي نتج عنه كراهية وعدائية معلنة وغير مبررة، وهنا تشكلت صورة ذهنية سلبية وضعت العرب في مرتبة دون البشر كانت أساساً لتشكيل ثقافة غربية استعلائية تجاه الشرق أصبحت الآن أساساً لقطبية العلاقة المتوترة بينهما، فنراها تلفظ لهيب مقتها المسلح بين الحين والآخر لتنال حياة الأبرياء. فهل ستستمر كرة الثلج في طريقها المحتوم؟

الكاتب :أستاذ دكتور/اسامة مدني عميد كلية الآداب جامعة المنوفية

أضف تعليق

عدد التعليقات