لا تعدموا شيرين عبد الوهاب ……………….. « جريدة الجمهورية والعالم

لا تعدموا شيرين عبد الوهاب ………………..

الأحد, مارس 31st, 2019

شيرين عبد الوهاب

شيرين عبد الوهاب

كتب – نبيل عمر :يبدو أن الفنان هانى شاكر قد خلط بين إمارة السلطة وإمارة الطرب، وتصور أن وصف أمير الغناء الذى اقترن به يكسبه  سلطة الأمراء، وليس مجرد وصف معنوى تقديرا ومحبة لموهبته وقدرات صوته، فكان قراره العاجل بوقف المطربة شيرين عبد الوهاب عن الغناء وتحويلها إلى التحقيق، بسبب التصريحات التى نسبت إليها، والتى قال قراره عنها إنها تضر بالأمن القومى المصري، صحيح أن هانى شاكر هو نقيب الموسيقيين، لكن ما أوقعت فيه شيرين نفسها لا علاقة له بالموسيقى والغناء والنقابة، وتهمة الإضرار بالأمن القومى جريمة كبرى لها توصيفات وأفعال، يحاكم من يرتكبها أمام القضاء، وليس أمام نقابة الموسيقيين، نعم لا يمكن للنقابة أن تلوذ بالصمت تجاه أى عضو تدينه المحكمة بحكم نهائى بات، أو يثبت تعامله مع أعداء الوطن تحريضا عليه علنا، ويحق لها أن تجمد عضويته أو تفصله.
ومسألة غريبة جدا أن تقطع النقابة عيشها وتشردها من عملها حتى لو كان مؤقتا، على تهمة لا تمس النقابة، ولم يصدر ضدها بعد حكم بإدانتها.

صحيح أن المطربة شيرين منفلتة اللسان، ألفاظها أقرب إلى السوقية، وفيها قدر  كبير من الجليطة والإساءة وقلة الإدراك، وربما البذاءة مثل عبارتها التى انزلقت منها فى فرح كندة علوش وعمرو يوسف، إلا أن القانون هو الفيصل فى التعامل معها، إذا كان ما تفوهت به يخضع للمساءلة.

لكن أن تتعجل نقابة الموسيقيين وتوقفها عن العمل، لمجرد أن محاميا قدم بلاغا ضدها إلى النائب العام، فهذا تصرف لا يمت للقانون بصلة، والقانون هو ملاذنا وحائط الصد المنيع لنا، والأعمدة التى تنتصب عليها الدولة التى تظللنا جميعا. وصحيح أيضا أن محامى البلاغ نسب إلى شيرين مجموعة من الاتهامات الثقيلة، التطاول على مصر ونشر أخبار كاذبة واستدعاء المنظمات الحقوقية المشبوهة التى تعمل ضد البلاد للتدخل فى الشأن المصري، وسواء فعلها بدافع وطنى أو بدافع آخر، فهو حر لأن حق التقاضى مكفول بالدستور، إلا أن النيابة العامة هى وحدها التى تقرر مدى جدية الاتهامات، والقضاء هو صاحب الولاية فى الحكم عليها، أى أن البلاغ ليس من جهة رسمية، رأت فى تصرفات شيرين ما يهدد أمن الوطن، وإنما من مواطن أحس بالغيرة على بلده من عبارة قالتها شيرين فى حفل لها فى البحرين وهى تستظرف بغباء مفرط، هنا اتكلم براحتي، فى مصر ممكن اتسجن، ولم تقل عشان فى مصر اللى يتكلم بيتسجن كما ورد فى البلاغ.

والمسافة بين العبارتين كبيرة جدا، عبارة البلاغ رأى سياسى عام، يمكن أن نجد له تصنيفا مناهضا أو معارضا، عبارة المسرح رأى يخصها هي، وتصف به نفسها، ولم لا تفعل وهى دأبت على ارتكاب الحماقات على الملأ  ولا تكف عن التفوه بألفاظ قبيحة، وانهالت عليها بلاغات كثيرة، وفعلا كادت تحاكم بسببها أكثر من مرة لولا تدخل أولاد الحلال.

وشيرين حالة خاصة فى الغناء المصري، صوت حساس ساحر ، فيه شقاوة صوت شادية وطلاوة صوت فايزة أحمد،  لكن يحكمه عقل جاهل محدود الثقافة والمعرفة، لا يطلب منها أحد أن تكون مى زيادة أو سهير القلماوى أو سناء البيسي، فقط أن تتعلم ماذا تقول وكيف تقوله ومتي، دون أن تنطح مثل كائن برى لم يخضع لأى ترويض. ولا يعيب المرء أن يخرج من حى شعبى أو من أسرة بسيطة ويصعد السلم الاجتماعى بعلمه  أو بفنه أو موهبته أو مهاراته أو قدرات خاصة أنعم الله بها عليه، حكاية إنسانية معادة آلاف المرات منذ بدء الخليقة، وفى الغالب يصاحب صعوده تطور فى سلوكياته وتصرفاته العامة والخاصة تناسب وضعه الجديد ودوره  فى المجتمع وتأثيره على الرأى العام.

ولا يجوز أن تتحجج شيرين أو المدافعون عنها بتلقائيتها وعفويتها المفرطة فى اقتراف الكوارث اللفظية فى حق بلادها أو زملائها من الفنانين، وهى تحاول أن تبدو خفيفة الدم صاحبة نكتة، وهى لا تدرك الفرق بين العبارات الساخرة غير المؤذية، والعبارات الدبش التى تندلع من فمها مثل إنسان يتقيأ، فالأخطاء الفادحة لا يبررها حسن نية أو جهل صاحبها أو  ثقافة منفلتة أحاطت به فى بدايات حياته، لأن تداعياتها لا تقل تأثيرا عن الأخطاء المتعمدة التى يقصدها صاحبها لهدف فى نفسه ولمصلحة ما يسعى إليها.

وقطعا نستبعد فكرة المؤامرة عليها، فمن المؤكد أن شيرين هى التى تتآمر على نفسها! وقطعا ثمة فارق بين ظهور شيرين الأول على مسرح الفن والحياة وظهورها الآن فى الأزياء والمكياج والشكل، وهذا يُبين أنها استعانت بمن علمها ذلك، فلماذا لم تستكمل تعليمها فى فن الإتيكيت والأصول العامة، خاصة أن هؤلاء المعلمين متوافرون..وهذا فعله كثير من الفنانين الذين خرجوا من بيئات اجتماعية بسيطة أو قَدِموا من بلاد عربية مهاجرين على باب الله منذ منتصف القرن التاسع عشر، وعاشوا ظروفا صعبة ثم تألقوا ونجحوا نجاحا باهرا.

وإذإ ضربنا بسيدة الغناء العربى أم كلثوم وهى فتاة ريفية من طماى الزهايرة بالدقهلية، لم تتح لها الظروف ولا البيئة أن تتعلم، وكانت تغنى فى الموالد وهى صغيرة،  ماذا فعلت فى نفسها وبنفسها، حتى صارت صاحبة عصمة، تتصرف مثل الأميرات ربيبات القصور، وتعرفت على أهم شخصيات عصرها، تحاورهم وتجاريهم فى أفكارهم وأحاديثهم، فكانت ومازالت علامة فنية بارزة كُتب لها الخلود.

لكن شرين لم تحاول أن تقلد جانبا من حياتها. ربما لم تنشر شيرين أخبارا كاذبة بالمعنى الحرفى للتهمة الموجهة لها ولم تستدع المنظمات الحقوقية المشبوهة للتدخل فى شأن مصر، فهى قطعا لا تعرف طريقها ولا وسائل الاتصال بها، ومؤسسة العدالة وحدها هى صاحبة التوصيف القانوني..لكن تظل أزمتها مستعرة، لأنها كامنة داخلها، وبالقطع قرار  نقيب الموسيقيين بوقفها عن العمل ولو مؤقتا هو إجراء احترازي، لا أتصور  وجود مسوغ قانونى له، وإذا كانت شيرين ارتكبت جرما فى حق الأمن القومي، فحسابها لا يجوز أن يقف عند باب نقابة الموسيقيين، وليس بوقفها فقط عن العمل، وإذا كانت سقطة لسان غبية فلا تعدموها.

أضف تعليق

عدد التعليقات