نبيل عمر يكتب // المجرم الخفى فى قضية الفيديوهات « جريدة الجمهورية والعالم

نبيل عمر يكتب // المجرم الخفى فى قضية الفيديوهات

الأحد, فبراير 17th, 2019

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق.

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق.

مثل قروى ساذج هبط من قرية على حدود الجبل الشرقى فى أقاصى صعيد مصر إلى حى سوهو اللندنى فى منتصف ليلة الأحد الصاخبة، يا إلهى ما كل هذا العرى وما كل هذه السفالة؟. نعم يعيش كثير من المصريين الطيبين شعور هذا القروى البرئ حين أفاق من نومه، فوجد نفسه داخل ماخور كبير، ما هذا؟، كيف أتيت إلى هنا؟ من يتابع مواقع أو يقرأ جرائد أو يشاهد فضائيات أو يسمع تعليقات أو يسهر فى قعدات أو يجلس على مقاهٍ أو يتحدث فى تليفونات لا يمكن أن تفوته النميمة عن فيديوهات قلة الأدب العارية التى باتت حديث المدينة الشهي، عن مخرج ونساء باحثات عن الشهرة بأى ثمن.

الموجع أن التغطية الإعلامية لتحقيقات النيابة مع الفتيات العاريات فى الفيديو أكثر أثارة من قبح المشاهد التى سال لها لعاب جزء عريض من المجتمع وراح يصفق ويُلسن ويغتاب وينهش وهو فى حالة تلذذ مرضية، لا تقل مرضا ووضاعة عمن صور هذه الفيديوهات.

هل بات كثير منا لا يعرف معنى العيب أو لا يدرك فضيلة الستر التى تحثنا عليها كل القيم الإنسانية والديانات؟ قطعا لا نبرر ولا يمكن أن نقبل الأفعال القبيحة والدنيئة، وقطعا ندينها دون إدعاء وتنمر، لكن أن تصل ردود أفعالنا إلى هذا الدرك الأسفل، كما لو أننا فى وليمة لأعشاب بشرية، مقطوعة الصلة بأى قيم أو أخلاق.

كيف تلوك ألسنتنا فى مقالب القمامة إلى هذه الدرجة؟ أذكر حين كنت صغيرا فى قريتنا، أن الشبهات كانت تحيط بامرأة جميلة تعيش مع ولدها الوحيد فى دار معزولة فى الخلاء على أطرافها، كان زوجها خفيرا قادما من قرية مجاورة واشتغل فى عزبة الست القريبة،  هكذا كنا نسميها دون أن نعرف السبب، أرض زراعية واسعة، وقتله رجال الليل ذات ليلة وهم يستولون على ماشية الحظيرة. كان أهلنا يمنعوننا من اللعب مع هذا الولد، حين كان ينزل إلينا فى الجرن الواسع، وكانت نساء القرية يتجنبن الحديث إلى تلك المرأة، وهم يملأن جرارهن من حنفية مياه عمومية، قبل أن تدخل المياه النظيفة إلى الدور، أو وهن يشترين من بائع متجول يتردد على القرية من فترة لأخري.

وفى زيارة لقريتنا بعد سنوات كثيرة، سألت خالتي: لماذا منعتونا من اللعب مع ابن فلانة ونحن صغار؟

ضحكت قائلة: ما الذى فكرك بها وبه؟..ربنا أمر بالستر. كررت سؤالي، فأجابت: الست كانت سيرتها بطالة، بسبب أغراب رأهم بعض الأهالى يخرجون من دارها فى ليال كثيرة بعد موت زوجها. قلت: لم نسمع ذلك وقتها. قالت: الكلام فى أعراض الناس عيب حتى لو كان صحيحا.

ماذا حدث لنا؟

حكاية الفيديوهات العارية القبيحة الأخيرة مجرد فصل، لا اتصوره الأخير من حكاية بذيئة، بدأت تروى علنا  قبل عشرين عاما تقريبا، حين تسللت الملابس الداخلية للمتهمين فى قضايا فساد كبرى إلى ملفات التحقيقات، وبات التشهير بهم يغطى على فسادهم المالي، واصبح الإمساك بالنصف السفلى لهم  أهم من الامساك بالأدلة التى تدينهم، حدث هذا مع شخصيات عامة، منهم وزير مالية أسبق ومحافظ أسبق، ورئيس شركة مسبوكات، ومسئول كبير فى التليفزيون ووكيل وزارة ورجل أعمال فقد توكيله التجارى الشهير..الخ.  نعم ..كانت غرف النوم هى العنوان الأكثر بروزا فى هذه القضايا. وفى قضية العرى الأخيرة مثل القضايا السابقة، لم نسأل السؤال الصحيح الذى يحمى المجتمع من التلوثين السمعى والبصري: من الذى أذاع ونشر هذه الفيديوهات والسيديهات القبيحة على الرأى العام؟

سؤال فى غاية الخطورة، لأنه يحدد لنا الفاصل ما بين دولة القانون ودولة تصفية الحسابات الشخصية، بين مجتمع يمضى قدما إلى الأمام فى قيمه العليا، ومجتمع يتسلى ويتعثر فى حكايات العيب محبوسا فى قاع المدينة.

ونعيد السؤال: كيف لا يبحث القانون عمن أذاع الفيديوهات القبيحة واكتفى بمن ظهرن فيها؟

تصوير الفيديو  القبيح فعل لا أخلاقى منحط وليس جريمة ضد القانون طالما أن التصوير جرى بموافقة أطرافه. إذاعة الفيديو على الملأ سواء من أصحابه أو من غيرهم جريمة يعاقب عليها القانون..فقط التوصيف لها يختلف إذا كان أصحابه هم الذين أذاعوه أو آخرون هم الذين أذاعوه غصبا. وتزخر المواثيق الدولية بالمواد التى تصون حرمة الحياة الخاصة وتحرم اختراقها وتجرم هذا العمل، وتنص المادة 12 من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان على عدم المساس بخصوصيات الإنسان وعائلته وبيته ومراسلاته، وعدم المساس بشرفه وكرامته وسمعته، والجميع لهم الحق فى الحصول على حماية القانون ضد هذه الجرائم، وهناك نص مشابه بالعهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية ورد فى المادة ١٧.

وكلنا يذكر أن محكمة جنح مستأنف أكتوير حبست الإعلامية منى عراقى أسبوعا، مدانة بتصوير مواطن دون علمه فى برنامج المستخبي، وقالت المحكمة فى حيثياتها: إن انتهاك حرمة الحياة الخاصة لكشف ستر بعض الجرائم لا يكون إلا بالضمانات التى كفلها القانون.

وحدد القانون هذه الضمانات فى قرار مشروط بأسبابه من النيابة العامة أو القاضى الجزئي، ويتعلق بجريمة. وقالت المحكمة: ليس للكافة أن يلجأوا لانتهاك الحياة الخاصة، بزعم نصرة الحق أو كشف مفسدة أشد ضررا، لما ينطوى عليه ذلك من مخالفة صريحة لنصوص القانون وما يحمل بين طياته من جلب مفاسد أشد ضررا باستباحة الحياة الخاصة من كل قاصٍ  ودانٍ، ومن غير المختصين بذلك قانونا.

أى أن انتهاك الحياة الخاصة وتصويرها دون علم أصحابها وموافقتهم جريمة.

نحن أمام جريمة نشر فضائح لحياة خاصة قبل أن تكون تصوير فيديوهات وتحريضا على الفجور. والبحث عن المجرم الناشر لا يقل أهمية عن ضبط المتورطين فى الفيديوهات، فهو ارتكب جريمة أخطر مائة مرة من جرائم المتهمين الحاليين، فهو حول الفعل الخاص القبيح إلى ظاهرة تطارد المجتمع، مراهقيه قبل كباره، وبدلا من أن كان فعلا محدود التأثير والقبح صار فيروسا يطارد مجتمعا ويضغط على أعصابه وقيمه..وشَهَّرْوا به قبل أن يشهروا ببعض مواطنيه.

المجرم الخفى أخطر من متهمات فاسدات وضحايا أيضا.

أضف تعليق

عدد التعليقات