قراءة نقدية في مسرحيتي: “هيا نهرش عقولنا”، و”عقول عطلانة” للباحثة والناقدة الدكتورة / عزة القصابي « جريدة الجمهورية والعالم

قراءة نقدية في مسرحيتي: “هيا نهرش عقولنا”، و”عقول عطلانة” للباحثة والناقدة الدكتورة / عزة القصابي

الجمعة, نوفمبر 16th, 2018

دكتور عمر فرج

دكتور عمر فرج

الدكتور عمر فرج هو فنان تلفزيوني وكاتب دراما وأكاديمي أيضًا، قدم العديد من الأعمال الفنية، التي تميزت بالتنوع. وفي مسرحيتيه “هيا نهرش عقولنا” و”عقول عطلانة” يخاطب د/عمر فرج الإنسان بغض النظر عن عرقه أو دينه أو طبقته، وجمع عددًا من المتناقضات في النفس البشرية. ففي مسرحيته الأولى “هيا نهرش عقولنا” تضاربت المشاعر والأحاسيس حول قضية الخيانة التي انتهت بارتكاب فعل القتل. وفي المسرحية الثانية، أسهب المؤلف في التأكيد أن الارهاب لا دين له، وهو إرهاب دنيوي محض، يعكس تردي الأفكار، وينزل بمستوى العقل الإنساني عندما يقرر الإنسان قتل أخيه، وهو بذلك يرضخ لأجندة فكرية مسبقة، تجعله ماض في التنفيذ دون الإصغاء لصوت المنطق السليم!.

والسطور التالية تُقدم قراءة وصفية عن مسرحيتي: “هيا نهرش عقولنا” و”عقول عطلانة”:

أولا : مسرحية (هيا نهرش عقولنا)

تُعد الخيانة والغيرة متلازمتان شغلتا فكر صناع الدراما والمسرح عبر العصور. ففي رائعة شكسبير “عطيل” -التي كتبها في أوج الحركة الرومانسية التي سادت في الأدب والفن- جعل عطيل يقتل ديدمونة، رغم حبه الكبير لها، بسبب غيرته وشكه. وفي مسرحية “هيا نهرش عقولنا” للكاتب عمر فرج، ساهمت كلاً من الشك والغيرة في تحريك الفعل نحو المصير المأساوي، كالقتل والجنون والانتحار، وغيرها من النهايات الغير سعيدة. فقد جاءت الأحداث في هذه المسرحية على غرار الكلاسيكيات التراجيدية، لتقول لنا: إن البُعد الأنثروبولوجي للإنسان متوارث، وإن الشك والغيرة والحب – جميعهم- عناصر تنبثق من الطبيعة الانسانية، المترسخة في الذات الإنسانية رغم التقدم العلمي والحضاري. ففي مسرحية “هيا بنا نهرش” نشاهد الشك وهو يقضي على الحياة الأسرية السعيدة بين الزوجين (حاتم، سارة)، اللذان جمعهما الحب والذي تُوجَّ بميلاد طفلة صغيرة !. وتتطور الأحداث وتنمو في هذه المسرحية بعد خروج الزوجة من المستشفى، حيث تَرِد مكالمة هاتفية إلي الزوج حاتم، كانت سببًا في غرس بذور الشك والريبة في نفسه، عندما قالت المتحدثة له جملتها: (هذه الطفلة ليست ابنتك).

لقد لامس الاتصال الهاتفي اللاوعي لدى الزوج (حاتم)، الذي ترسخ الشك لديه في مصداقية أبوته للطفلة؛ فهو يعاني من الوسواس، خاصة بعد استماعه للقصة الغرامية التي كانت تجمع زوجته بأستاذها الجامعي في الماضي من احدى صديقاتها، وهذا ولَّدَ لدى الزوج الشعور الدائم بالخيانة وضياع الشرف. لقد التحم الصوت الداخلي لشخصية الزوج (حاتم) مع الصوت القادم عبر الهاتف، رغم أن المتصل لم يُكمل كلامه حتي النهاية، ولكنه أكمل النداء في ذات الزوج المجروحة، التي أصبحت محطمة ومريضة بالشك والوهم الذي يؤرقه ليل نهار؛ وبات يعيش صراعًا داخليًا بين ذاته التي تُعنفه على سكوته ورضوخه للواقع الاجتماعي، فكيف سيواجه الناس عندما يعلمون أن زوجته قد خانته!

لقد تفاقمت الأحداث المأساوية وتصاعدت دراماتيكيا دون أن تشهد صراعا ظاهريا. وجاء تدخل أحمد (أخو حاتم) في محاولة لإبطال تكهنات أخيه، التي كان يعتقد أنها مجرد أوهام، ولكن المفاجأة كانت عندما أكد له حاتم صدق كلامه بالنتائج الطبية التي أجراها في معملين شهيرين للتحاليل الطبية، والتي أثبتت أن الطفلة ليست ابنته فعلا!. يا له من لغز غريب وعجيب؛ حبك به المؤلف الأحداث، مما جعلها تتأزم وتنمو بشكل متصاعد، ولكنه في النهاية أكد مشاعر واحساس الزوج. وزرع التساؤل في نفس المتلقي، وجعله يتساءل: هل هناك علاقة بين الاتصال الهاتفي الذي وردَ إلى حاتم -والذي لم يستمر عندما سمع المتصل عبارة: “أنا حاتم ضابط المباحث”- وبين قصة الحب التي كانت تجمع بين الزوجة (سارة) وبين رئيسها في عملها.

إن تطور الأحداث جعل حاتم يتحرك نحو الانتقام من الزوجة الخائنة، فجميع ما سمعه يؤكد شكوكه وظنونه حول زوجته وأستاذها الجامعي الذي أصبح مسؤولاً عليها في الجامعة. ووصلت المسرحية إلى ذروتها عندما سعي حاتم إلي القصاص لشرفه، وتحقق له ما أراد عندما قتل زوجته. ولكن المفاجأة الكبرى عندما اكتشف أن زوجته لم تخنه ولم تلوث شرفه كما ظن بها، وأنها بريئة! وأن الطفلة ليست ابنته بالفعل، ولكنها ابنة لامرأة أخري ورجل أخر، حيث تم تبديلها –عن عمد- بابنه الحقيقي، الذي أخذته امرأة أخري كانت ترغب في إنجاب طفل وليس طفلة، ولكن هذه الزوجة تم كشف جريمتها عن طريق الممرضة التي قامت بتبديل الطفل بالطفلة في مستشفى الولادة، وهذه الممرضة هي نفسها التي اتصلت بالزوج حاتم لتُخبره بالحقيقة، ولكنها خافت منه عندما أعلن لها أنه ضابط مباحث؛ فأغلقت الخط ولم تُكمل حديثها معه. وعندما تكشفت الحقيقة أمام أعين حاتم (الزوج) أُصيب بالجنون.

الخطاب الاجتماعي في النص: تُعد معالجة القضايا الاجتماعية دراميًا من أفضل الوسائل للتعبير عن الواقع، كما حصل في مسرحية (بيت الدمية) لهنريك ابسن، عندما أصبحت الزوجة مجرد دمية، بسبب معاملة زوجها لها كخادمة، ولكنها سرعان ما تمردت وصفقت الباب خلفها وهي خارجة من بيتها بلا عودة معلنة تمردها في النهاية. ومسرحية “هيا نهرش عقولنا” يغلب عليها البُعد الاجتماعي الذي يتوغل في أبعاد قضية مهمة تمثلت في الخيانة الزوجية، وكيف من الممكن التصرف في حالة وقوعها، بحيث لا تكون نهايتها مأساوية كما حدث لشخصيات هذه المسرحية. وقد اتسم الحوار المسرحي فيها بالوضوح في سرد الحدث وتطوره وتصاعده، وصولا إلى الذروة وقتل الزوجة ثم تدهور حالة الزوج وإصابته بالجنون!. وقد ابتعدت هذه المسرحية عن الضبابية والغموض والاستعارات، واتسمت اللغة فيها بالبساطة والوضوح، وجاء الحوار فيها صريحا. حتى أصبح لزاما علينا أن نهرش عقولنا ونراجع أنفسنا بشيء من المصداقية! ونبتعد عن سوء الظن ونبحث عن الحقيقة حتي لا نزهق أرواح الناس.

ثانيا: مسرحية (عقول عطلانة)

“الواقع يمسرح نفسه” عبارة تصدق علي مسرحية (عقول عطلانة) للكاتب والفنان الدكتور عمر فرج، عندما اختار أن يناقش في نصه قضية من أخطر القضايا المعاصرة، وهي قضية الفهم المغلوط لمحتوى الأديان. فغياب الحوار الديني والثقافي بين الشعوب ولدَّ صراعًا فكريًا وايدلوجيا كانت محصلته (الإرهاب). إن الإرهاب لا دين له ولا وطن له ولا حضارة له، والدين في الحقيقة براء منه، إذ لا يوجد دين سماوي يبيح سفك الدماء. وهناك أنواع متعددة للإرهاب، منها الإرهاب الأيديولوجي، والإرهاب السياسي، والإرهاب الديني ، والإرهاب الإعلامي. وإدراك حقيقة الإرهاب يجعل الجميع يعملون يدًا بيد، سواء كانوا مجتمعات أو أفراد أو وسائل إعلام، لمحاربة خلايا هذا المرض الخبيث، واستئصال خلاياه قبل استفحالها.

وفي مسرحيته “عقول عطلانة” ركز الكاتب د. عمر فرج على الموقف الدرامي، قبل أن يقوم بتشكيل ملامح شخصياته، فهي شخصيات ذات دلالات رمزية إيحائية للواقع الذي يمتلئ بالمتناقضات السياسية والدينية؛ فالموقف هو الذي يحرك الحدث الدرامي. وحملت شخصيات المسرحية دلالات رمزية تعكس الموقف الدرامي في هذه المسرحية، فمثلا شخصية (أبو حفص) رجل دين تكفيري، يمثل الفكر الديني المتطرف، ويمثل رمز من رموز الإرهابيين في العالم، الذين يرفضون التصالح والعيش في سلام مع الآخر. كما تحمل شخصية (الأمير) إشارة صريحة وواضحة إلى التنظيم الإرهابي (داعش)، الذي يسفك الدماء باسم الدين، مع توظيف آيات القرآن الحكيم لقتل كل من يخالفه الفكر والرأي.

وقد عمل مؤلف المسرحية على إحكام القبضة على شخصياته، وجعلها تلتقي في منزل رجل مسيحي وهو القس “مرقص” الذي انتقل مؤخرًا لمنزل كان يعيش فيه شيخ مسلم، وكان ذلك سببًا في حضور أبو حفص للمنزل الذي انتقلت إليه الأسرة المسيحية. وجميع شخصيات المسرحية التقت في مكان وزمان واحد، ولكنهم ظهروا كقوتين متضادتين فكريًا ودينيًا. ويظهر التناقض والجدل الديني حول مفهوم الحق والقيم الإنسانية المغلوطة، والذي لا يلبث أن يتحول إلى صراع ظاهري عندما تنكشف حقيقة القس مرقص وأسرته، ويبدأ الصراع في المواقف الفكرية ذات الأبعاد السياسية والدينية المرتبطة بالإرهاب العالمي. ويطرح النص الرؤى الفكرية المسيسة المترسخة في عقول الشخصيات، إلي درجة أنها لا تقبل النقاش أو التفكير، وتسبب ذلك في تعطيل عقولهم وجعلهم في حالة أقرب إلى التنويم المغناطيسي الذي يمارسه عليهم “أمير المؤمنين”، ويقودهم وفق أجندة سياسية تحتم عليهم إزهاق الأرواح بدون سبب مقنع.

ونلاحظ في هذه المسرحية أن بها اسقاط سياسي وديني منبثق من القضايا الآنية في الواقع المصري، تزامنا مع موجات الإرهاب المتوالية، التي كانت سببا في إزهاق أرواح الأبرياء من المسيحيين والمسلمين علي السواء، فكم من كنيسة فُجرت من قِبل الإرهابيين المتزمتين الذين يتحدثون باسم الدين، بقصد زعزعة أمن مصر، وزرع الفتنة في رحم المجتمع المصري، الذي تعايشت في كنفه الديانات والأطياف والجنسيات المختلفة عبر العصور، حيث وجدت اليهودية والمسيحية والإسلام، فمنذ زمن موسى كليم الله، ومصر تشهد ميلاد الديانات على ضفاف نيلها العظيم. وهذا يمنح مصر حصانة أمنية وحضارية تمكنها من الانتصار على الدخلاء الذين يسعون إلى قلقة الأمن فيها، ومحاولة جعلها بيئة طاردة للسائحين والمستثمرين من أنحاء العالم، لتصبح أرض خراب وحروب كما حدث في العديد من البلدان العربية.

وقد استخدم د/عمر فرج اللهجة المصرية في هذه المسرحية التي تتميز ببساطتها وقربها من حس وأذن المتلقي. إضافة إلى ذلك، اشتمل النص على روح الفكاهة، رغم سوداوية الأحداث، بسبب أعمال أبي حفص وجماعته من الإرهابيين. وقد ساهم الحس الكوميدي في التخفيف من وطأة الصراع التراجيدي. كما بدت رسالة المسرحية واضحة الأهداف والمعالم، غزيرة المعنى، شديدة اللهجة في خطابها السياسي والديني والاجتماعي، إذ شكَّلَ “أبو حفص” رمزًا دمويًا لا يقبل الحلول الوسطى، كما يصعب تغيير فكره، أو اقناعه بحقيقة ما يؤمن به.

بشكل عام، فقد اقتربت مسرحية (عقول عطلانة) من المسرح الذهني، كونها تقدم الفكر قبل الفعل، وترصد المواقف الدرامية قبل الولوج في عالم الشخصيات. وعمل المؤلف الدكتور عمر فرج علي تكثيف الجرعة للتنديد بالإرهاب الديني الدموي، الناتج عن الرؤى المغلوطة حول التفسير الديني وبعض الفتاوي المتطرفة. وساهمت الشخصيات التي تحمل حسًا وطنيًا مصريًا في التأكيد على الواقع المتناقض، وما يكتنفه من رؤى إنسانية، تُحرم قتل الآخر، أي كان معتقده أو مذهبه أو عرقه.

وأخيرًا، لا يسعني إلا أن أقول إنني استمتعت بقراءة هاتين المسرحيتين، وأدعوا مؤلفهما الفنان الدكتور/عمر فرج إلي امتاعنا بالمزيد من إبداعاته.

الناقدة الدكتورة/ عزة القصابي .. سلطنة عُمان

أضف تعليق

عدد التعليقات