الدكتور محمد داوود يكتب :الحياة بصفتها مقلب زبالة …….. « جريدة الجمهورية والعالم

الدكتور محمد داوود يكتب :الحياة بصفتها مقلب زبالة ……..

الإثنين, أغسطس 20th, 2018

الدكتور محمد داوود

الدكتور محمد داوود

كتب : محمد داوود : بص حواليك وانت ماشي في أي شارع في مصر، وانت رايح تقضي الأجازة عند قرايبك في البلد، بص من شباك أي مواصلة تركبها، طوف وشوف البقايا في كل مكان، أكياس البلاستيك والشيبسي، الورق العادي وورق الكارتون، مناديل الورق، فوارغ المشروبات بالشاليموهات، البلاستكات، أعقاب السجاير، علب السجاير والكانزات، السرنجات، الزجاجات الفارغة وكسر الإزاز،.. لو راكب قطر، أكتر حاجتين تشوفهم الجوامع والزبالة.

يمكن يكون فيه حتت من غير زبالة في مصر، ده الاستثناء النادر المهدد والمحاصر، العادي بتاعنا هو الزبالة في كل مكان.

أي حد ممكن يمارس أي نشاط في أي حتة، لو بيشوي درة أو بيبيع قصب بيسيب بواقي الحفلة مكانه. واما شوية بطاطس يبوظوا عند بياع بيسيبهم في أي حتة، أو جنب السكة الحديد أيهما أقرب.

الورش والمحلات وسط المساكن بتسيب بقاياها مكان ما هي شغالة؛ في الشارع طبعًا، تلقي كافة أنوع البقايا اللي قلبك يحسها؛ وساخات الزيوت، مسامير وصواميل وحتت جلد وجبس ونشارة خشب واشولة ملح وبودرة وبوية وبراميل طرشي حسب نوع الورشة أو المحل.

تجمع الزبالة اسمه مقلب، وده ممكن يبقى في أي حتة، وبيبدأ عادة بواحد بهيم (حمار أو خروف وساعات جاموسة) يرمي كيس زبالة على طول دراعه جنب عمود نور، بهايم كتير تعمل زي البهيم الأولاني، وأشهر المقالب تلاقيها جنب صناديق الزبالة.

التركيز الأكبر من المخلفات بيكون في جوانب الطرق والجزر المفترض انها مزروعة بين الطرق، والمنتزهات، والأراضي الفاضية أو الأبنية المهجورة، والمجاري المائية اللي تلاقي فيها كل شيء حتى الأحذية والبامبرز، ما انصحكش تاخد سنارة وتروح تصطاد في أي نهر أو بحر.

مفيش ترعة ف مصر إلا اتردمت بالزبالة والمجاري من البيوت حواليها، من زمان والناس في بلادي بتعمل صرف المجاري في الترعة اللي بتروي منها زرعها وبتغسل فيها المواعين والحبوب قبل الطحين، ولما يموت لها حمار واللا بهيمة يرموها برضه في ذات نفس الترعة.

على شطوط البحر بيترد لنا جزء من الزبالة اللي بنرميها فيه، واللي بيصيفوا بيعملوا زي كل إنسان رباية المجتمع ده بياكل ويسيب زبالته مكانها ولو على كرسي ف موقف أتوبيس بل ممكن في الأتوبيس نفسه. واتمنى يوم يترد ع الشط كل اللي بنعمله في البحر.

مين بيرمى المخلفات كده وحول مصر لمقلب زبالة ضخم؟ ده شعب مصر العظيم، ده عقله، ودي أخلاقه اللي بتدبح الخرفان في أي مكان زي ما اتسستمت نقلًا عن الأجداد أجيال ورا أجيال، خرفان ورا خرفان، في الحمام أو ع السطوح أو في مداخل البيوت، وبعد ما تدبح وتدي الأطفال دروس في الدبح تاخد السواب وتحطه على سواب العُمرة اللي فاتت، وتسيب الدم ف مكانه يشربه الدبان، دي أخلاق شعب مصر العظيم اللي رجالته الفرارجية بيرموا مخلفات تنضيف الفراخ جنب البطاطس اللي باظت من شوية، وستاته بتكب مية الغسيل من البلكونات، وترمي ذات نفس مخلفات تنضيف الفراخ حتى مصارينها في المجاري، ولما تطفح المجاري بييجي عامل يسلك ويحط الحاجات اللي سدت بير المجاري ومعاها مصارين الفراخ وريشها تنشف براحتها جنب غطا البلاعة، خلي الدبان ياكل ويربي ولاده.

بكرة المدبحة، مهرجان الدبان والدم، بس المزبلة شغالة طول السنة، ده واقع مصر اللي عملته اختيارات العقل المصري، ده تفكير البدو ودي تصرفاتهم، طبعهم كده يدبحوا الخروف أدام الخيمة، يشووه وياكلوه ويرموا البقايا على طول دراعهم في الصحرا الواسعة، وبما إنهم بدو رُحَّل فلما يتوسخ المكان ويجيب آخره بيسيبوه ويروحوا ينصبوا خيامهم في حتة تانية، وتيجي الغربان تاكل من الأطلال قوم يتشاءموا من الغربان عشان بتيجي ع الخراب ويبقى بكاء الأطلال أساسي في مقدمات الهراء اللي متصدر لنا لغاية دلوقت باعتباره شعر بندرسه لأطفالنا في المدارس كجزء من منظومة تسلط الدين على العقل وإعاقته عن التطور.

للأسف ما عندناش دلوقت أوبش الارتحال، دي مصر اللي اعتلاها الدين وتسلط على عقلها وأوقف نموه عند مرحلة بداوة صحراء نجد والحجاز في القرن السابع الميلادي، ييجي نبيه اخواته يقول لك بس دا حنظلة ابن أحيحة قال: النظافة من العربان. وفيه أحاديث بتقول كخة للناس اللي كانت بتعملها في الظلة وأبيار المية، طيب اشمعنا نزل قرآن عشان حاجات أقل من كده بكتير، المؤكد عندي إن النصوص دي بتأكد كلامنا، والمؤكد كمان انها نصوص فاشلة من يومها في فعل شيء كويس، بل هي اللي شالت لنا العقلية اللي احتلت بلادنا وبتعمل لسه في النيل، وبترمي زبالتها في كل حتة.

اللي فاهم منظومة المفاهيم الدينية في بلادنا يعرف إنها قايمة على مجموعة سمات منها التكوين العكسي المتكامل مع الفصامية وحنجورية الشعارات، هتلاقي للصبح نصوص ظاهرها صوتي وباطنها انت تشوفه فعلي في الواقع، أي نص ديني كويس هتلاقي الواقع عكسه تمام، لأن المنظومة على بعضها بتعمل المشكلة وتشتغلك بحلول بؤيئي، وباختصار، دي مخلفات عقل ميت، كل ما تشوف الزبالة مالية الدنيا حواليك افتكر الدين على طول. الدين اللي مأسس العقل عندنا في أعماق معاميعه على كراهية الحياة، وله _دايمًا وبلا هواده_ الدور الأساسي بكل مفسدة في مصر، وأبشرك الزبالة حقيقة ومجازًا هتزيد بالتوازي مع طغيان التسلط الديني على العقل وصولًا للتخريب الكامل لهذه البلاد.

أضف تعليق

عدد التعليقات