اقرأ هذا المقال المهم لتعرف أولًا، لماذا نصوم؟ ثم ما الفرق بين “الصيام” و”الصوم”، ولماذا نقول “صومًا مقبولًا” وليس “صيامًا مقبولًا”؟ « جريدة الجمهورية والعالم

اقرأ هذا المقال المهم لتعرف أولًا، لماذا نصوم؟ ثم ما الفرق بين “الصيام” و”الصوم”، ولماذا نقول “صومًا مقبولًا” وليس “صيامًا مقبولًا”؟

الثلاثاء, مايو 29th, 2018

الكاتب :أحمد لطفى

الكاتب :أحمد لطفى

كتب : أحمد لطفى :لماذا نصوم؟ سؤال سمعناه كثيرًا، ربما منذ أن كُنَّا أطفالًا صغارا، وكثيرًا ما احترنا في إجابة تقنعنا، بعضنا وجدها، والآخر استسلم لما زرعه رجال الدين في عقول البسطاء فاستقر عنهم وصار أشبه باليقين. فقد بذل الشيوخ، أو من يطلقون على أنفسهم” أهل العلم” أقصى ما استطاعوا وأفاضوا واستفاضوا في شرح حكمة الصوم التي شرّعها الله سبحانه وتعالى من أجل الإحساس بالفقراء وتطهير النفس وتهذيبها.

أما رجال الطب، فقد اغتنموا الفرصة، ولم يتوانوا عن مساندة إخوانهم الشيوخ، فمن قائلٍ أن للصيام فوائد جمَّة، ليس أولها إراحة المعدة بعد عملٍ دائم وإجهاد موصول طوال أحد عشر شهرًا؛ وضبط وتنظيم الدورة الدموية وتنقيتها من السموم، ولا آخرها، ما يعود على كل أعضاء الجسم من فوائد صحية.

لكن الحقيقة أن سؤالًا مهمًا كثيرًا ما يدور في أذهان كثيرين: طيب، إن كان الصوم من أجل أن نشعر بالفقراء والمحرومين؛ فلماذا يصوم الفقراء والمحرومون إذن؟ ثم لماذا يصوم الأغنياء والقادرون أيضًا؟ أليسوا هم من يتصدقون للمحتاجين والفقراء فيما يعود عليهم بالخير ويحسن أحوالهم؟ ثم ألا تمثل صدقاتهم هذه إحساسًا عظيمًا ونبيلًا بهؤلاء الفقراء والمحتاجين؟ طيب، وماذا عن الآراء الطبية التي تنصح بعدم الصيام؟ وكلنا يعلم أن الله سبحانه وتعالى، قد منح رخصة الإفطار لغير القادر، ولمن يعاني أمراضًا خطيرة، تحول بينه وبين الصيام.

قال تعالى في سورة البقرة { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ }؛ وكما جاء في معاجم اللغة؛ فإن الفعلين “طاق”َ و”أطاق”، يفيدان – تقريبًا – نفس المعنى، وهو القدرة مع المشقة، فنحن نقول: لَمْ يُطِقْ صَبْرًا: أي لَمْ يَسْتَطِع التَّحَمُّلَ أَكْثَرَ؛ وكذلك طَاقَ الأمرَ: أي احتمله بمشقة.

وهنا لابد أن أذكرك بأن كلمة “صيام” تفيد معنًى مختلفًا عن كلمة “صوم”، فكلمة “صيام” وردت في القرآن الكريم لتفيد معنى اﻻ‌متناع عن الطعـام والشراب وباقي المفطرات من الفجر إلى المغرب؛ قال تعالى :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ…… } ولم يقُل: كُتِبَ عليكُم الصَومَ؛ أما كلمة “صوم” فقدت وردت لتُفيد ما يتعلق بـ “صيام” اللسان وليس المعدة؛ أي قول الحق والبعد عن الزور والنفاق والرياء وكل ما يتعلق بآفات اللسان سواء كان في رمضان أو في غير رمضان؛ والخلاصة أنه لا “صيام” بلا “صومٍ”، والصيام وحده دون “صوم” لا فائدة منه، وأن الصيام يكون في رمضان فقط، أما الصوم فدائم ومستمر. ونحن ندعو قائلين “صومًا مقبولًا” وليس “صيامًا مقبولًا”. يقول نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، ” مَنْ لمْ يدعْ قول الزُورِ والعملِ به، فليس لله حاجةً في أنْ يدع طعامه و شرابه”.

من هنا يكون الصيام هو الابتعاد عن تناول الطعام والشراب من بداية اليوم لنهايته فقط، حيث لا يدخل في معناه شيء آخر، ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى في الآية 26 من سورةِ “مريم”: { فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا }؛ والمتأمل للمعنى، يلاحظ أن الخطاب في بداية الآية بدأ بأمر السيدةِ “مريم” – عليها السلام – بأن تأكل وتشرب وتطمئن نفسها (وَقَرِّي عَيْنًا)؛ ثم أمرِها – في نهايتها – بأن تصوم، لكن ليس عن الأكل وإنما عن الكلام مع الناس، حيث أمرها الله تعالى أن تقول إنها صائمة واستعمل اللفظ “صوم”؛ أي أنّ السيدة “مريم” عليها السلا‌م قـد نذرت لربها “صومًا” بينما كانت تأكل وتشرب.

نرجع لموضوعنا ونقول إنه بعيدًا عن هؤلاء وهؤلاء، فالله سبحانه وحده هو من لا يُسأل عما يفعل، ووحده سبحانه من لديه الحكمة من فرض الصيام، ومم ثم ليس علينا إلا الطاعة، وهي المعادلة الموضوعية بين الخالق الأعظمِ وعباده، فنحنُ كمُسلمين نؤدّي ما أمرنا الله به من دون أن نتسائل عن أسباب هذا الفرض، ومن دون سؤالٍ عن الحكمة من ورائها، فهذا هو جوهر الإسلام.. التسليم للخالق عزَّ وجلّ في جميع أمور التشريع من دون أن يتداخل التفكير في بواطن الطاعات؛ أو أن نُعمِل العقل في جُزئياتِه ومداخِله، فليس هناك سببٌ واضح أو محدد – مثلًا – وراء منع آدم وزوجه من الاقتراب من شجرة الجنة ولا بالطوافِ حول الكعبة، الذي هو ركنٌ أساسي من أركان فريضة الحج، اللهم اختبار طاعة المخلوق الأول للخالق الأوحدِ ليتمايز عباد الله في طاعته، فمنهم من ينجح ومنهم من يفشل، وتلك غاية العدل الإلهي ومُبتغاه.. أن تتفاوت درجات الطاعة بين الناس كواحدة من الدلالات المهمة للإيمان؛ فهل كان للطاعة أن تتحقق بغير اختبارٍ؟ أو كان من العدلِ أن يتساوى أولو العزم والطائعين مع من يؤمنون بالله وبفريضة الصوم ولكنهم لا يطيقونها أو لايتحملون مشقتها؟

لاشك أن الصوم ضد الفطرة البشرية؛ الفطرة التي جُبِل الناسُ عليها، وهي أن يأكلوا ويشربوا ويلبُّوا نداءاتِ غرائزهم، ومن هنا تكمُن الطاعة لله بأن نترك فطرته التي فطرنا عليها من أجله، ولا نقول إلا السمع والطاعة، فالإيمان هو الاعتقاد بلا دليلٍ والتصديق بلا برهان، والطاعة بلا عِلَّة أو حُجَّة، وهنا أيضًا يكمُن كرمه ورحمته، فسبحانه لا يرتب عقوبة في الدنيا لغير الصائمين ممن لا يطيقون الصوم، فهو وحده علَّام الغيوب ويعرف من صَام إيمانًا واحتسابًا ومن صَام جهرًا وفطر سرًا، نفاقًا ورياءً؛ ومن صُام من أجلِ صحةٍ يريدها أو رشاقة يتطلع إليها، أو خجلًا من الناس.

والخلاصة، أن الصيام لله والصوم لله سبحانه وتعالى، وهو يُجزي عنه، سواء أثبت الطب فوائده أم لم يُثبت! وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ” كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”.

تقبل الله مِنَّا جميعًا صيامنا وقيامنا، وصومنا وصالح أعمالنا.

أضف تعليق

عدد التعليقات