نبيل عمر يكتب :ديمقراطية لله يا محسنين ……………… « جريدة الجمهورية والعالم

نبيل عمر يكتب :ديمقراطية لله يا محسنين ………………

الإثنين, أبريل 30th, 2018

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق.

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق.

كتب: نبيل عمر :وسط حوار ساخن بين صديقين جالسين على مقهى فى مصر الجديدة، يؤمه أطباء ومهندسون ومحامون وموظفون كبار يلعبون الشطرنج دائما والطاولة أحيانا، سأل طبيب صديقه بحدة: متى نرى ديمقراطية فى بلادنا مثل بقية خلق الله المتقدمين؟ رد موظف قديم بهيئة الكتاب: بلا ديمقراطية بلا يحزنون ..المهم أن نعرف نعيش، نسكن ونتعلم ونتعالج ونشتغل وننظم شوارعنا ونقضى مصالحنا من غير نكد وبهدلة!. غضب الطبيب واقتبس عبارة عن روائى مشهور نصف موهوب: «الديمقراطية هى الحل»، الترياق لكل أوجاعنا ومشاكلنا، نأتى بالحكومة التى نريدها، ونمشيها فى أى وقت إذا لم تعجبنا، يعنى شفافية ونزاهة وحرية..نحن لا نعرف ما هى أسباب تعيين وزير أو رحيل وزير ، مثل الأطرش فى الزفة.

تدخل أستاذ جامعى على المعاش يجلس على ترابيزة بجوارهما، مثقف ثقافة رفيعة وعمل فترة بالولايات المتحدة الأمريكية قبل أن يعود من هجرته المؤقتة وهو يقترب من السبعين عاما: الديمقراطية ليست سهلة، لا هى دواء نشربه نبقى ديمقراطيين ولا حاجة نتعلمها من كتاب فى يومين، الديمقراطية تقاليد وأساليب حياة عامة وخاصة، وتُكتسب على سنوات طويلة جدا، ولها شروط ومعايير فى طبيعة المجتمع التى تعمل فيه، شروط ينتجها تطور طويل فى بنية هذا المجتمع ثقافيا واقتصاديا وسياسيا، حتى لا تتحول إلى مخلب قط يلتقطه من يقدر على اللعب بها. رد الطبيب: كلامك معناه أننا دون خلق الله لا نصلح لها، فأنت تقصد أننا لم نتطور بالدرجة التى تمهد أرضنا لولادة الديمقراطية ولادة صحية.

قال الأستاذ: الديمقراطية لا تولد ولادة صحية ولا ولادة مشوهة، هى تشبه شجرة تنمو يوما بعد يوم، لكن فى تربة صالحة وجيدة تسمح لها بهذا النمو الطبيعى، دون أن نغفل أنها ليست نظام حكم مثاليا، ولها كوارث أحيانا، فهى التى أتت بـ«دونالد ترامب» فى أمريكا بكل ما يوصف به، ومن قبله جورج بوش الابن، وهى التى أتت بـ«هتلر» فى ألمانيا فأشعل الحرب فى الكرة الأرضية وتسبب فى سفك دماء أكثر من خمسين مليون إنسان و..

قاطعته معترضا: أى نظام صنعه الإنسان له «عوادم جانبية»، مثل أى دواء يتعاطاه طلبا للشفاء لا يخلو من بعض الضرر العارض، وقد لا تكون الديمقراطية نظاما مثاليا، لكنها الأنسب سياسيا لنظم الحكم، ولم يعرف البشر نظاما أفضل منها، ومن يريد تطورا وتقدما ودولة عصرية عليه أن يبلع الديمقراطية بما تمنحه للشعب من مكاسب كبيرة وما تسببه له من أضرار جانبية.

قال الأستاذ: عن أى ديمقراطية تتحدث بالضبط؟ عن ديمقراطية الغرب وهى النموذج الذى يحاولون ترويجه فى العالم؟. سألته: ولم لا؟، أليس حال الغربيين هو الأفضل فى العالم، عملا وترفيها وحرية وثروة؟

بهدوء عجيب رد الأستاذ: وفرة الغرب ومستوى معيشته المرتفع ليست بسبب الديمقراطية على الإطلاق، الغرب عاش طفيليا على شعوب العالم فى إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، احتلال واستعباد واستغلال ونهب ثروات منذ حركة الكشوف الجغرافية فى القرن الخامس عشر إلى منتصف القرن العشرين، أى مص الدم النقى للعالم لما يقرب من خمسة قرون..هذا هو سبب الوفرة التى حدثت فى الغرب، واليابانيون أنفسهم احتلوا نصف آسيا على فترات متباعدة هروبا من فقر مواردهم الطبيعية..وهاهم الصينيون يصنعون تقدما مذهلا دون ديمقراطية.

لم أعلق..فسألنى: وهل تصدق أن الغربيين أحرار وديمقراطيون فى أوطانهم؟. أجبت ساخرا: ليس لدى معلومات خلاف ذلك، ولا شبه قرائن تشير إلى أنهم واقعون فى قبضة استبداد خفى أو مبطن. ضحك ملء شدقيه كأنه سمع نكتة بذيئة وقال: وماذا تفعل مكاتب الترويج للشخصيات المرشحة سواء للكونجرس فى أمريكا أو مجلس اللوردات فى بريطانيا أو مجلس الشيوخ الفرنسى أو للمرشحين لمنصب الرئيس الأمريكى أو الفرنسى أو ..أو؟، أليست هى مكاتب لبيع الوهم بين جمهور الناخبين، رسم صورة بالألوان والرتوش لشخص يدفع ملايين الدولارات لترسيخ هذه الصورة مستخدما وسائل الإعلام والدعاية وشبكات التواصل الاجتماعى.

هل قرأت ما كُتب عن دونالد ترامب وتاريخه؟ كيف انتخبه غالبية الأمريكيين رئيسا بالرغم من العيوب القاتلة التى لازمته طول حياته؟ انتخبوه بعد أن أعادت مكاتب الترويج والدعاية تركيب صورته فى أذهان هؤلاء الناخبين، اى انتخبوا صورة وهمية بعيدة عن الشخص الحقيقى ذى الإمكانات الذهنية والسياسية المحدودة..لم يعد الناخبون أحرارا فى تكوين قناعاتهم الخاصة بمنأى عن ضغوط هائلة على أفكارهم ومشاعرهم، ضغوط تعيد تشكيل المصالح والحقوق فيبدو الأبيض أخضر والأسود أزرق..وهكذا. قلت مندفعا: عندك يا أفندم..لا تستطيع مكاتب الترويج ولا وسائل الإعلام أن تخدع كل الناس كل الوقت. قال بنفس الهدوء: لكنها تستطيع أن تخدعهم بعض الوقت، فى الشهور الفاصلة قبل التصويت مباشرة، ثم تظهر الحقيقة بعدها كما هو الحال مع ترامب الآن. قلت: لكن وسائل الإعلام متنوعة المشارب والرؤى ولا يمكن أن تسهم جميعا فى عملية الصورة الوهمية لمرشح جديد، وسنجد من ينتقد ويكشف ويفضح ويقول كلاما مخالفا..هذا سوق حر. قال: هذا صحيح لكن من يكسب فى النهاية؟ قلت: الإجابة لك.

قال: من ينفق أكثر، من يضخ ملايين الدولارات بلا توقف، وهناك دراسات عن الانتخابات الامريكية سواء للكونجرس أو الرئاسة، أثبتت أن الذين نجحوا فى مجلسى النواب والشيوخ فى الدورات الأربع الأخيرة هم الاكثر إنفاقا على الدعاية والإعلام والترويج، ولهذا بدأنا نسمع منذ فترة عن دور «المال الأجنبى» فى الانتخابات الأمريكية! قلت: لكن فى الانتخابات الأخيرة التى أتت بـ«ترامب» كانت كبريات الصحف والمحطات الفضائية ضده وبالرغم من ذلك نجح. قال: لأنه كان أذكى وليس لأنه أصلح، الأمريكيون يمضون وقتا أطول أمام شبكات التواصل الاجتماعى، وهو لعب عليها أكثر من الفضائيات ووسائل الإعلام الأخري، التى ركزت عليها هيلارى كلينتون. هلل موظف هيئة الكتاب وصفق: ألم أقل لكم؟ المهم أن يعيش الإنسان جيدا ومحترما سواء حكمه ترامب أو هولاكو، وبعدها يبحث عن الديمقراطية ويطالب بها أو يمشى فى الشوارع مناديا: ديمقراطية لله يا محسنين!. قلت: هى ضرورة لحين اكتشاف نظام أفضل.

أضف تعليق

عدد التعليقات