نبيل عمر يكتب : العرب ونهاية التاريخ…………………… « جريدة الجمهورية والعالم

نبيل عمر يكتب : العرب ونهاية التاريخ……………………

الثلاثاء, أبريل 17th, 2018

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق.

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق.

السؤال له نصل رمح مغروس فى العقل: هل قارَب العرب على نهاية التاريخ؟!

ونهاية التاريخ لا تعنى انقراض العرب أو اختفاءهم من على خريطة العالم أو ضمور إمكاناتهم وطاقاتهم، وإنما هى ثبات الحالة العامة التى هم عليها، فى المنطقة الواسعة الممتدة من شرق المحيط الأطلسى إلى غرب الخليج العربى، وقد رسم لها الغرب مخططاً عاماً ممتداً فى العصر الحديث منذ حملة نابليون بونابرت الفاشلة إلى الضربة الثلاثية لسوريا. وهو مخطط له استراتيجية واحدة وتفاصيل مختلفة وتحالفات متقلبة حسب متغيرات المنطقة من حكومات وقوى شعبية وتيارات سياسية، والغاية هى بقاء «العرب» فى مربعات الفرقة والانقسام والخلافات والاضطرابات والارتباك، ويرعاها الغرب باهتمام بالغ وصرامة فائقة، ويترك لهم حرية الحركة داخل هذه المربعات كل حسب اجتهاده، ودون الخروج منها بكل الوسائل مشروعة أو غير مشروعة!

وتجسد القمة العربية فى الرياض حالة الفرقة والارتباك وغياب الوعى التى هم عليها، ويبدو أن قرار الضربة الثلاثية فى هذا التوقيت المُحرج لم يكن موجهاً لنظام الأسد نهائياً، فهو أضعف من أن توجه له رسائل خاصة، وبالطبع يقصد بها الروس كجزء من عمليات دائمة لتصفية حسابات معلقة بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة وروسيا التى تحاول استعادة الأرض التى فقدها الاتحاد السوفيتى القديم، وبالمرة يأخذون العرب فى سكتهم وهم مجتمعون معاً ليناقشوا القضية القومية الأزلية، فلسطين التى ضاعت فعلاً، ونقل الأمريكان لسفارتهم إلى القدس باعتبارها عاصمة إسرائيل.. رسالة تسألهم كالعادة: ما جدوى مثل هذه المناقشات وأغلبكم تحت حمايتنا وكلكم فى مرمى صواريخنا؟

صحيح أن بعضاً من العرب لم يستسلم وخاض حروباً ضروساً لإفشال هذه الاستراتيجية، وتملص منها مرة أو مرتين، لكن سرعان ما تلتف حوله الكماشات من جديد تعيده إلى المربع صفر.

وقد لا نخطئ كثيراً إذا ربطنا حملة نابليون بونابرت على الشرق فى أواخر القرن الثامن عشر تحديداً فى صيف عام ١٧٨٩، بما يحيق بسوريا وكل المنطقة من مخاطر رهيبة فى ربيع ٢٠١٨، وقد يكون ضرب سوريا من أمريكا وإنجلترا وفرنسا هو فصل إضافى من فصول الحملات الغربية على الشرق، وإن كان فصلاً أكثر شراسة ووقاحة..

ونهاية التاريخ هى نظرية المفكر الأمريكى فرانسيس فوكوياما التى تضمنها كتابه ذائع الصيت «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، الصادر فى التسعينات من القرن العشرين، وتقول إن التاريخ انتهى عملياً أو توقف كلياً عند الرأسمالية كنظام اقتصادى للتنمية ورفع مستوى حياة البشر، وعند الديمقراطية كنظام حكم هو أفضل ما وصل إليه الإنسان عبر تطوره، ولم يعد فى جعبة البشر القدرة على إنتاج نظم تتجاوز ما وصلت إليه الولايات المتحدة والغرب، وبالتالى لا يوجد تاريخ جديد يكتب خارج الرأسمالية والديمقراطية، خاصة أن مختلف دول العالم غير الغربية تبحر إليهما يوماً بعد آخر.. أى إن الحالة التى عليها العالم الآن لن تتغير كثيراً فى المستقبل.

وهى نظرية مردود عليها وضد منطق التاريخ وحركة الإنسان، لكننا نستخدمها هنا فى حدود تفسير حالتنا لا أكثر ولا أقل من باب تقريب الصورة إلى الأذهان.

قطعاً قبل أن نفسر ما نقول، قد يقذفنا المتربصون بـ«نظرية المؤامرة التعيسة» فى وجوهنا صارخين: المؤامرة مرة أخرى.. ألا تتعبون يا عرب من تحميل الآخرين ثمن خطاياكم وأخطائكم؟!

وفعلاً نظرية المؤامرة من الهواجس الشائعة فى العالم العربى، فهى توفر للعقل العربى قدراً من الراحة والسكينة فى مواجهة عجزه وتخلفه وافتقاده التفكير العلمى المنظم، لتبدو مشكلاته المستعصية كما لو كانت أشبه بأحكام القضاء والقدر.

لكن، بالرغم من بعض الصحة فى السؤال والتحليل، فإننا لا يمكن أن نغفل نظرية المؤامرة كلياً أو جزئياً، أولاً: لأن الغرب هو صاحب براءة اختراعها، واقتصر دور الشرقيين فقط على الاستخدام حتى لو بتوسع، وثانياً: يستحيل استبعادها تماماً من تفسير وقائع تبدو بلا أسباب ظاهرة أو منطق واضح، خاصة أن التاريخ الإنسانى زاخر بالمؤامرات فعلاً، من أول مؤامرة الشيطان لإغواء بنى الإنسان إلى مؤامرة ضرب سوريا!

وقطعاً لا يمكن فصل واقع سوريا عن أحداث الربيع العربى، أو ما وصفه الغرب ضحكاً على الذقون باسم «الربيع العربى»، وهو ربيع لم يثمر ولم يطرح زهوراً بقدر ما طرح دماءً واضطرابات وصراعات على السلطة وتراجعاً اقتصادياً من تونس إلى مصر ومن ليبيا إلى سوريا.. وهذا لا يعيب الثورات فى تلك الدول، لكنها ثورات عملت الولايات المتحدة على دفعها إلى المربعات المرسومة، وفشلها فى مصر بإزاحة الإخوان عن السلطة أوجعها وجعاً شديداً. لكنها لم تتوقف عن إكمال المهمة فى الدول المحيطة، وها هى الكانتونات الطائفية والقبلية على النمط الإسرائيلى تتشكل فى العراق والسودان وسوريا واليمن وليبيا، والمزيد على الطريق فى مقبل الأيام.. وهو ما يوفر لإسرائيل أمناً يستمر قروناً.

وسوريا هى الأكثر تعقيداً، لأن الهدف الأصلى الآخر من التقسيم هو ضمان امتداد أنابيب غاز من قطر إلى العراق فسوريا ثم تركيا، ومنها إلى أوروبا بديلاً عن خط أنابيب الغاز الروسى، فالغرب يسعى إلى أن تشرب روسيا غازها أو تشعله لعباً فى أوقات الفراغ، كجزء من محاصرة النمو السريع الذى يمكنها من صناعة قوة عظمى اقتصادية، والاقتصاد يتلخص فى أمرين: إنتاج وأسواق، وإذا أرسيت عوائق صعبة أمامهما فالنمو يتراجع وينكمش.

وروسيا موجودة على الأرض لوأد المشروع قبل أن تحمل به الأرض السورية.

وطبعاً من خيبة أغلب العرب أنهم يظنون أن الصراع فى سوريا بين شيعة مسيطرة وسنة تبحث عن طوق نجاة، فيباركون الضربة الثلاثية ويهتفون لها، بزعم أنها عقاب على استخدام السلاح الكيماوى ضد المدنيين العزل.. نفس الفيلم الركيك الذى أنتجته الولايات المتحدة لاحتلال العراق بعنوان «القضاء على أسلحة الدمار الشامل لصدام حسين»!

ونعود إلى السؤال: هل يقترب العرب بالفعل من نهاية التاريخ؟!

الإجابة لكم.

أضف تعليق

عدد التعليقات