نبيل عمر يكتب ………… هيا نعدم خيرى رمضان ! « جريدة الجمهورية والعالم

نبيل عمر يكتب ………… هيا نعدم خيرى رمضان !

الإثنين, مارس 12th, 2018

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق.

الكاتب الصحفى نبيل عمر، مدير تحرير جريدة الأهرام السابق.

كتب – نبيـــل عمــــر : قرأت رسائل وتعليقات على الفيسبوك غاضبة ومتألمة ومحرضة على مطاردة المذيع اللامع خيرى رمضان حتى النفس الأخير، وبعضها موجه إلى وزير الداخلية رافضة التصالح معه بكلمات حادة قاطعة: «كفانا تهاونا وتسامحا ممن شجعهم التمادى بقلة أدب وحقد وغل دفين فى النفوس»، وكما قال الرئيس السيسى «إن التطاول على الجيش والشرطة يجب ضربه بيد من حديد، لأن الجيش والشرطة أمن قومي، وكفانا كفانا سكوتا على هؤلاء المرتزقة والدور «الجاى» على البقية إن شاء الله!

هذه الكلمات هى المقبول اجتماعيا وإنسانيا نشرها، إذ يوجد غيرها غير صالحة للنشر على الرأى العام ولا يمكن أن نسمح لها بأن تتجاوز صفحات التواصل الاجتماعى التى حولها كثير منا إلى «بيوت راحة» كل واحد «مزنوق» يفك فيها عن نفسه إلكترونيا. وعموما تشير التعليقات إلى موضوعين أحدهما خاص يتعلق بالأستاذ خيرى رمضان، والثانى عام يمس الإعلام والصحافة فى بلادنا.

وقبل أن نكشف عن «حال العقل الجمعى» السائد، نقول بكل بساطة ووضوح، إن أى تطاول على جيشنا وشرطتنا ليس مرفوضا أو مستهجنا فحسب، بل هو جريمة يجب أن تخضع للقانون وإجراءاته، لأننا دولة قانون ولا يصح التساهل فيه، لأن القانون هو عمود الدولة الحديثة. وإذا كان خيرى رمضان قد تطاول وارتكب جريمة، فليحاسب بالقانون، حتى لو وصل عقابه إلى الإعدام فى ميدان عام، وسط هتافات صاخبة: «يحيا العدل».

لكن المدهش أن أغلب من أدانوا خيرى على صفحات الفيسبوك وحكموا عليه، فعلوا ذلك وفق «تصوراتهم الخاصة» عن مهنة الإعلام والصحافة، التى يجهلون دقائقها وخباياها، وتعاملوا معها كما لو أنها «مهنة» ملقاة على قارعة الطريق، يمكن لأى كائن أن يلتقطها ويفتى فيها كيفما شاء، وكان طبيعيا أن يخلطوا بين الخطأ والجريمة فى الحلقة المغضوب عليها، والتى تحدث فيها خيرى عن زوجة ضابط شرطة اتصلت به وتحدثت معه عن أحوالها المعيشية، وصنفوا ما نقله عنها بأنه مهين وجارح ومتطاول على جهاز حماية أمننا الداخلي.

الخطأ هو البعد عن الصواب، وحساباته اجتماعية وتقديرية من مجتمع إلى مجتمع وفق قيمه وتقاليده وثقافته وهو من خصائص البشر جميعا، أما الجريمة فلها تعريفات اجتماعية ونفسية وقانونية، نختار منها التعريف القانونى حتى لانتوه بين التعريفات، وهى كل فعل نص القانون على تحريمه ووضع جزاء على من ارتكبه. أى أن الخطأ مساحة مطاطة تتفاوت فيها الآراء بتفاوت الثقافات، لكن الجريمة محددة بنص القانون. فما الذى ارتكبه خيرى رمضان فى حلقته الملعونة؟

جرائم الإعلام والصحافة فى عمومها هى السب والقذف والتشهير ونشر أخبار كاذبة، فهل ما قاله «خيرى» يدخل فى هذه الجرائم؟، بمعنى هل قذف فى حق أحد بإسناد فعل لو ثبت صحته لاستوجب عقابه أو احتقاره من مجتمعه؟، هل سب أحدا بألفاظ نابية قاصدا تحقيره والحط من شأنه؟، هل أهان جهاز الشرطة بألفاظ تمس عمله ويمكن أن تصنف تحت «إهانة مؤسسات الدولة؟»، والأخطر هل أذاع أخبارا كاذبة بأن لفق لقاء مع سيدة ونسب إليها حديثا عن أحوالها المعيشية، قاصدا إهانة الجماعة التى ينتمى إليها زوجها؟

خيري رمضان

خيري رمضان

أستطيع أن أوكد أن خيرى لم يسقط فى فخ سيدة دُست عليه ولم يلفق لقاء معها، وما رواه عنها ورد على لسانها، ويمكن أن يثبته فى النيابة أو المحكمة. يبقى سؤال: هل من حق عائلات الشرطة أن تغضب؟ قطعا من حقها أن تغضب، وبشدة لأسباب حقيقية وليست مفتعلة، فما قيل كان مؤلما فعلا..

لكن لو راجعنا كلام خيرى وتأملناه، فسنجده لم يقصد الإساءة على الإطلاق، ولم يضع سما فى عسل كما قالوا، كان مقصده أن يدافع عن أحوال العاملين فى جهاز يحافظ على أمن مواطنيه الداخلي، ويريد أن تتحسن. وأحيانا من فرط الامتنان والتقدير لعمل ما تنساب ألفاظ قد يراها البعض مسيئة، وهى تدخل فى باب الأخطاء غير المقصودة.. أخطاء تقع فى كل المهن من أطباء ومهندسين ومحامين ومحاسبين وضباط ووزراء وملوك وأباطرة، وإذا كنتم ترون غير ذلك فهيا نعدم خيرى رمضان! وقضية خيرى أكدت حالة كراهية وعداء مع الإعلام والصحافة، وهو عداء قديم لأن المجتمعات الشرقية بطبيعتها مجتمعات أسرار وإخفاء ودهاليز ومستور وتحت البلاطة، بينما الإعلام مرئيا ومكتوبا هو كشف وفضح وإلقاء ضوء وتعرية..وهو تناقض غير موجود فى المجتمعات الغربية الحديثة. وقد شنت صفحات التواصل الاجتماعى الغاضبة حملة شرسة ضد الإعلام والصحافة، وهددت «الدور الجاى على البقية» ودعت إلى تدخل الدولة والعودة إلى إعلام الستينيات المحكوم بقبضة حديدية واحدة..

ويبدو أن هؤلاء لا يعرفون أن إعلام الستينيات، بالرغم من كفاءته الحرفية، إلا أنه كان إعلام الخطيئة، خطيئة الصمت والخوف والنفاق، إعلام تحدث عن مشكلات العالم وما يحدث فى أربعة أرجاء المعمورة أكثر مما يجرى فى مصر وقراها ونجوعها، ولم يبلغ المصريين بما حاق بهم من هزيمة يوم انهزموا شر هزيمة فى تاريخهم الحديث إلا بعد أن اعترف الزعيم بها.

هل هذا إعلام مطلوب؟ ولو استبدلنا بهذا السؤال سؤالا افتراضيا: لو كان إعلام الستينيات مثل إعلامنا الحالي، منفلتا وطاققا وخارجا عن المألوف ولا يتوقف عن الكلام والثرثرة، هل كان يمكن أن نتجنب الهزيمة؟ أقصد لو أن الصحافة فضحت الصراع على السلطة ومراكز القوي، ألم يكن ممكنا أن يصلح المصريون من أنفسهم ويحسوا بالخطر قبل أن يداهمهم ويعملوا حسابه ويستعدوا له بدلا من أن يسقطوا فى المصيدة الأمريكية الإسرائيلية؟

المجتمعات ذات النوافذ المفتوحة أكثر صحة من المجتمعات المغلقة أو ذات نافذة واحدة.

السوق الحرة للمعلومات والأفكار مهما تسربت إليها سلع فاسدة أكثر أمانا للمواطن والوطن من السوق المقيدة المحكومة بقبضة السلطة، لأنها سوق مشوهة كل سلعها مضروبة وتباع فيها لحوم الحمير كبابا وكفتة. كان إعلام الستينيات بوقا واحدا، والبوق لا يعزف لحنا متكاملا وإنما يصدر صوتا واحدا منتظما يسبب وجع الدماغ، وإذا توجع دماغ الأمة فقدت إدراك اتجاهات البوصلة الصحيحة.

أضف تعليق

عدد التعليقات